لم تعد مشكلة الدين العام في البحرين مسألة اقتصادية بحتة، بل تحوّلت إلى معضلة وطنية تستوجب نقاشًا جادًا وقرارات مصيرية. فبحسب أحدث تقارير وكالة التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز”، أبقت الوكالة على تصنيف البحرين عند ” B-“، وهو تصنيف منخفض يعكس هشاشة الوضع المالي، ويضع المملكة في خانة الدول ذات المخاطر المرتفعة، إلى جانب بعض الدول الإفريقية المثقلة بالديون.
استمرار الاعتماد على الاقتراض لتمويل مشاريع لا تمثل سوى مكتسبات معيشية وقتية يشكل خطرًا حقيقيًا على الاستقرار المالي للدولة. فبدلًا من انجاز بنية تنموية مستدامة، يتم ترحيل الأعباء إلى الأجيال القادمة، وتآكل قدرة الدولة على مواجهة الأزمات أو تمويل التحولات الهيكلية الضرورية.
إن وصول الدين العام إلى مستويات مخيفة يعبّر عن خلل في هيكل الإنفاق وغياب رؤية اقتصادية رشيدة. ومع تراجع قدرة الدولة على تمويل خدماتها دون اقتراض، بات من الملح اعتماد مقاربات واقعية، تتجاوز الحلول المؤقتة نحو سياسات إصلاحية شاملة.
في هذا السياق، فإنّ أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة الدين العام يكمن في الاستثمار بالطاقات الوطنية. فتمكين القوى العاملة البحرينية وإدماجها بفعالية في سوق العمل لا يمثل فقط استجابة لمطلب اجتماعي، بل هو خيار اقتصادي حيوي. إذ أن تقليص معدّلات البطالة يحدّ من حجم المساعدات الاجتماعية، ويعيد توجيه جزء من الإنفاق الحكومي نحو التنمية الإنتاجية بدل الاستهلاكية، ما ينعكس إيجابًا على عجز الموازنة ويقلل الحاجة للاقتراض.
كما أن أي إصلاح مالي مستدام يتطلب بيئة شفافة وواضحة في إدارة الموارد العامة. فالثقة الشعبية في السياسات الاقتصادية لا تُبنى إلا على أساس وضوح الأرقام، وجرأة المكاشفة، وتحديد الأولويات بواقعية. إن الطريق إلى التعافي المالي لا يمرّ فقط عبر تقارير التصنيف الائتماني، بل عبر إرادة وطنية تضع المواطن البحريني في قلب المعادلة الاقتصادية، شريكًا لا عبئًا، ومصدر قوة لا تكلفة.


