بوتين في عين هنري كيسنجر

0
101

منذ إندلاع الحرب في أوكرانيا لم يتوقف قادة الغرب عن استدعاء صورة هتلر كلما ذكر اسم فلاديمير بوتين. فهيلاري كلينتون رأت في ضم القرم عام 2014 نسخة جديدة مما فعله هتلر حين برر اجتياحاته بحماية الأقليات الألمانية فيما بوريس جونسون شبّه الغزو الروسي لأوكرانيا بما ارتكبه هتلر وستالين في قلب أوروبا.

وهكذا وُضع بوتين في قفص النازية قبل أن تتاح حتى فرصة لقراءته دون استخدام رموز الشر في الدول الغرب.

وسط هذا الضجيج جاءت مقابلة تلفزيونية مع هنري كيسنجر قبل وفاته قدّم فيها صورة مختلفة غير نمطية وصف فيها شخصية بوتين بانها أقرب إلى شخصية من روايات دوستويفسكي منه إلى هتلر جملة بدت للوهلة الأولى غريبة لكنها تحمل معنى أعمق.

كيسنجر لم يكن يبحث عن تشبيه أدبي بقدر ما كان يشير إلى أن بوتين ابن بيئة روسية محمّلة بالتاريخ والذاكرة أكثر منه نسخة نازية جديدة، فهو وريث روسيا التقليدية التي اعتادت النظر إلى نفسها كقوة عظمى ورفضت دومًا أن تُختزل في دور ثانوي.

ويبدو انه حين استدعى كيسنجر دوستويفسكي كان يحاول تشبيه بوتين بأبطال ذلك الأدب المأزوم الذين لا يعيشون في عالمٍ من اليقين، بل في دوّامة من الصراع بين الكبرياء والقلق، بين الإيمان والشك، بين الطموح والخوف من السقوط.  شخصيات متناقضة تبحث عن معنى وسط الفوضى وتشعر دائما بأنّها محاصرة وهذه السمات كلها تبدو حاضرة في صورة بوتين أكثر مما نجدها في صورة طاغية نازي صارم الأيديولوجيا.

في مقابلته قال كسينجر إن بوتين هو ابن مدينة ليننغراد التي نشأ بها محاصرة وحمل في ذاكرتها واحدةً من أبشع المآسي في الحرب العالمية الثانية التي حاصرها النازيون لثلاثة أعوام ومات فيها نصف عدد سكّانها جوعاً وبرداً ومرضًا. نشأ في مدينة نجت بالكبرياء والصبر لا بالقوة وحدها جيل كامل خرج من تلك التجربة وهو مقتنع أن روسيا لن تُمنح الأمان من الخارج وأن عليها أن تتعلم الصمود مهما كان الثمن.

هذه الذاكرة الجماعية حفرت في وعيه فكرة أن أي اقتراب من حدود بلاده ليس مجرد حركة سياسية بل طوق جديد يخنقها لذلك يرى في تمدد الناتو نحو الشرق إعادة إحياء لحصار قديم عاشته مدينته ويرفض أن يسمح لبلاده أن تختنق مرة أخرى.

هذا البعد النفسي والتاريخي هو ما يجعل وصف كيسنجر مثيرا للاهتمام لأنه يضع بوتين في سياق درامي أكثر تعقيدا من مجرد استعارة صورة هتلر فالأول يمثل الشر المطلق والإبادة أما الثاني فهو بطل مأزوم من رواية طويلة يعيش بين العظمة والهاجس بين الطموح والخوف بين اعتقاد راسخ برسالة تاريخية وشك دائم في المستقبل بهذا المعنى فإن النظر إلى بوتين كهتلر يغلق الباب ويفرض مواجهة بلا عودة بينما رؤيته كشخصية دوستويفسكية تمنح فرصة لفهم دوافعه لا لتبريرها بل لقراءتها في سياقها.

في النهاية قد يبقى بوتين في نظر البعض ديكتاتورا توسعياً وفي نظر آخرين زعيماً يحرس هوية بلاده لكن استعارة دوستويفسكي بدلاً من هتلر تمنحنا صورة أكثر اتساعا لرجل تتصارع داخله عقدة الكبرياء مع هاجس الحصار وتتشابك فيه ذاكرة مدينة جائعة مع تاريخ أمة لا تقبل أن تُحاصر مرة أخرى صورة لرواية روسية لم تصل بعد إلى فصلها الأخير وربما لن تنتهي قريبا.