الكرسي الأخير في الصالة الثقافية

0
53

فوز مسرحية “قهوة ساخنة” لمسرح الصواري بجائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وترشيحها لجائزة أفضل ممثلة في ذات الدورة، ليس مجرد خبر فني عابر. هو استعادة لصوت قديم ما زال يتردد منذ عام 1994، حين صعد الراحل عبدالله السعداوي إلى منصة المهرجان ذاته لينال جائزة أفضل إخراج عن مسرحية “الكمامة”.

بين الجائزتين يمتد خيط متصل لا ينقطع؛ فالسعداوي، الكاتب والمعلم، زرع البذرة الأولى، وتلامذته اليوم يحصدون ثمارها. لم يكن مجرد كاتب لمسرحية قهوة ساخنة، بل كان مؤسسًا لمدرسة قائمة على رؤية واضحة وتجربة راسخة، مدرسة تؤمن بالمسرح كفعل مقاومة للابتذال وكجسر دائم للحوار الإنساني المتجدد.

يبرز هنا حضور الأستاذ إبراهيم خلفان، المخرج والفنان الكبير، الذي يعد أحد أعمدة الحركة المسرحية في البحرين. تاريخُه ومكانته شاهدان على مسيرة طويلة كرّس فيها عمره للمسرح حبًا وإيمانًا، فكان حاضرًا في الساحة الفنية بعطائه المستمر ووفائه العميق للفن الذي نذر له حياته. وليس غريبًا أن يتصدى لإخراج نص “قهوة ساخنة”، بوصفه رفيق درب السعداوي وعضيده في تأسيس مسرح الصواري، ليحوّل العرض إلى وقفة عرفان بحق رفيق العمر، ومشهد وفاء يضيف للعمل بُعدًا إنسانيًا يوازي قيمته الفنية.

فوز “قهوة ساخنة” اليوم هو شهادة على أن إرث السعداوي ما زال حيًا، وأن مدرسة الصواري قادرة على العبور من جيل إلى آخر، لتؤكد أن المسرح البحريني، مهما ضاق فضاؤه المحلي، يظل يفتح أبوابه في القاهرة كما فتحها السعداوي قبل ثلاثين عامًا.

رغم رحيل عبدالله السعداوي، إلا أن حضوره ما زال يتردد في تفاصيل مسرح الصواري، في نصوصه وعروضه ونقاشاته وورشاته التدريبية التي تركت أثرها العميق. هذا الفوز في القاهرة ليس سوى استحضار لتلك الروح التي طالما مارست لعبة التجريب مع الحياة والموت، ورفضت أن تغادرنا. ولعله ما يزال حاضرًا في موقعه الأبرز: آخر كرسي في الصالة الثقافية.