داء السيمترية الأنثوي

0
38

يمسك طبيب التجميل وجه حالته، ليقترح تعديلات جمالية في رسم الأنف، ورفع الخدين، وشد الجفون، ثم ملء الشفتين، وحقن الذقن حتى تتناسب مع المستوى الجديد للأنف والشفتين! وهكذا تتكون صورة مثالية من كاتلوج “دكاكين” التجميل، لتصبح كل وجوه الإناث نسخاً مكررة من بعضهن، لكنها في لغة الجمال تسمى “سيمترية” Symmetry؛ وبشرح مبسَّط: هي التماثل بين نصفي الصورة على نحو يفعل التوازن بينهما؛ بحيث يحقق الراحة والجمالية للعين الرائية.

وعلى هذا المنوال، يحرص صنّاع الفن على تحقيق نسب مريحة من هذا التوازن. قد لا يتناسب هذا مع الفنون التشكيلية، أو فنون المعمار الحديث؛ لاعتبارات جمالية بحتة. لكن على مستوى الدراما، يحرص كثير من المخرجين، في الكادر الخاص بهم، على الجمالية التي تلقطها العين المدربة، حين يكون هناك توازن ملحوظ في الحركة، حتى وإن كان الممثلان في وضعية الجلوس. فإن كان هذا سيظهر التنسيق على وضع جسديهما على نحو متساوٍ يجمعهما على سبيل المثال، وكوب قهوة بقرب طرف كل منهما؛ بحيث إنك لو قسمت هذه الصورة من النصف، ستكون متطابقة. وهذا في حال عدم وجود ضرورة درامية توضح خللاً أو مشكلة أو تصدير وجهة نظر في الشخصية أو الموقف.

والإجابة عن: لِمَ يجب أن يكون هناك سيمترية؟ ستكون بأن هذه الجمالية ضرورة لإدراك ماهية التوازن في النظر، كما طبيعة الخلق؛ جسد الإنسان الذي يحمل جانبين متطابقين إلى حد الكمال. وقياساً على هذا الفن، ابتكر الإنسان في خلقه ما يتماشى مع هذه الطبيعة الكونية: التماثل والتوازن.

وقياساً على ما سبق؛ يتنوع الترتيب في المشهد الإبداعي الثقافي والفني بين الذكور والإناث؛ ويُلاحظ الحضور الذي تسجله قائمة الأعمال الفنية، بعد أن أخذت الأنثى وضعها الطبيعي منذ وقت ظهورها في الحياة العامة بشكل معتاد، وليس استثنائياً ومصدراً للدهشة والاحتفاء. فالحديث عن البدايات والصعوبات لم يُشبع بعد، لكنه يبدو حديثاً مستهلكاً إن لم يكن في مكانه الصحيح حقاً.

وعودة إلى مشاهدات حية -دون إحصاءات- أن الإناث يساوين أو يتفوقن على أندادهن من الذكور، بدءاً بلوحات الشرف والتفوق في المراحل الدراسية، وحتى حضورهن في المنابر الفنية والثقافية: في التشكيل، والكتابة الإبداعية، وفنون الأداء بلا استثناء، حتى في ما يتعلق بالفنون التي تتطلب قوة عضلية لا تتوفر في كل الإناث، توجد من تقبل هذا الاستثناء على سبيل التحدي أو الرغبة في التميز. أما لو عدنا إلى الأصل؛ فالذكور يزيدون بنسبة ضئيلة في هذا الكوكب بمقدار تقريبي 51% مقابل 49%[1]، أي ليس العدد المكتسح الذي يفسر ظاهرة الهيمنة المقلقة، التي نستقرئها دون إحصاءات دقيقة أيضاً -للأسف-، في أن النسبة المذكورة لا تتناسب ووجود الجنسين بشكل متساوٍ في محل القرار الثقافي والفني على وجه التحديد.

لكن! في الوقت الذي نرى فيه المرأة العربية حاضرة بقوة في كل المجالات، يتضاءل حضورها عند لحظة اتخاذ القرار! المرأة موجودة في الصورة، لكنها غائبة عن الكواليس؛ حيث تُصنع المعايير وتُحدد الاتجاهات. إنها المفارقة الكبرى: حضور أنثوي في الساحة، وغياب شبه تام في مراكز الثقل والقرار.

لسنا نعيدُ اختراع العجلة، ولا أظهر عبارات نسوية مؤيدة ومكررة حد البؤس لاستجداء حق أو نيل استحقاق. أنا -شخصياً- مع الكفاءة تماماً بدون “التجندر”، وبدون إظهار مظلومية لها ممن يؤمن بها ويتصدر باسمها. لكنه سؤال مشروع مع كل الجهود التي تبذل: لِمَ التواجد لا يتناسب مع حضور الكثافة الأنثوية في مجالات الإبداع تحديداً، والتي تتطلب جهداً فردياً خالصاً؟ لِمَ عليهن أن يثبتن جدارة أكبر من المعتاد حتى يتم إدخالهن الدائرة التي لا يبذل فيها الذكور من المبدعين سوى إظهار “النوع” في هوياتهم الشخصية؟

يعلم الجميع بما تمر به الأنثى في كل المجتمعات من تربية تكرس فيها الغريزة المحمودة في الأمومة وتكوين أسرة، في اللعب والسلوك والتأهيل، والتي تقودها أمنيات وردية تنتهي بالزواج لبدء حياة جديدة. لكن هل يمنع هذا أن تكون لها حياة عملية ناجحة وموازية إلى جانب الحياة الأخرى المُتصوَّرة؟ وهل يمكن مساواة الطريق الممهد للذكر لنجاح معتاد ومتوقع وقابل للتشجيع والتطور، بنفس النجاح، لكنه طريق آخر محفوف بالمتاعب، وتثبيط الهمم، والتوعد بتهديد استقرار أسرة، أو -في حالات ألطف- التخيير بين النجاحين: الأسري أو المهني!

ويبدو من الطبيعي أن يكون هناك سؤال استنكاري بأنه رغم الحضور المذكور والمحسوس في مجتمع الإبداع، يتقلص وجود الإناث في لجان القرار الحاسمة للاختيار/ التحكيم/ وأي مواقع قرار، وليس مقصوداً بها هنا الوظائف الحكومية في هذه المجالات المعنية بملء فراغ، أو حسابات أخرى ليست من بينها الكفاءة الحقيقية.

ولتوصيف هذه الظاهرة، لا يستدعي الموضوع أن نلجأ إلى إحصاءات دقيقة؛ إذ يكفي إلقاء نظرة عامة سريعة على اللجان التي تقام من أجل أغراض قصيرة أو بعيدة المدى، ليتبين عدم التوازن الواضح بين الجنسين. فإن ظهر عنصر نسائي واحد، فهو فضل عظيم. فلا توازن على الإطلاق، مع الاخذ بالاعتبار وفرة الأسماء النسائية البارزة، ولكن يظل حضورها استثناء، مع مفارقة الوجود المكثف والجدير في مختلف المجالات، ولكن تظل السيمترية منعدمة في وجود وجه أنثى واحدة مقابل خمسة أو سبعة أو سبعين من الذكور!

ولإحقاق الحق؛ تحظى هذه الأنثى الوحيدة بامتيازات الندرة والاحتفاء، لكن هل هي مستحَقَّة بالفعل؟ وهل هذا الغياب سببه رفض، أو اعتكاف العنصر النسائي عن قبول أماكن القرار؟ أم غياب تفرضه المسئوليات الاجتماعية التي تتطلب وجوداً يومياً وقوياً ومستمراً تعتمد عليه العائلة في المقام الأول؟ والإجابة بنعم ستكون غير مطابقة لقراءة الواقع الذي توجد فيه المرأة موضوعاً وتمثيلاً عن نوعها بدون وكالة مباشرة من نظيراتها، بل إنه إبراز لمفارقة الغياب المعتاد، برغم الحضور الطاغي. وماذا تعني المسئولية ضمن حزمة الالتزامات الصارمة المفروضة والمنفذة عن قناعة وطاقة حب غير محدودة؟

وإذا ما أعدنا قراءة الحالة، لتحليل أسباب هذا التقلص الواضح، سنعيد الأمور إلى نصابها؛ كون هذا الخلل قائماً على غياب سياسات واضحة تلزم أو تراعي التوازن الجندري في تشكيل هذه الكيانات أو اللجان، حتى ولو عبر طريقة التمثيل النسبي (الكوتا)، التي كنت أراها شخصياً مرحلة مؤقتة، توجد حتى مرحلة الاعتياد، ودون الاحتياج لفرضها لاحقاً، لانتفاء الحاجة لها؛ ولأن الوجود بالنوع سيكون للكفاءة، وليس لجنس الشخص. إلا أن هذا يبدو ضرباً من التفاؤل المبالغ فيه. فلازالت الحاجة قائمة لإثبات صلاحية تبوُّأ الأنثى مكانة مستحقة لها، حتى وإن كانت أكفأ الموجودين.

نحتاج أيضاً -مضطرين- إلى ترديد عبارات كليشيه مثل: هيمنة الفكر الذكوري التقليدي في مؤسسات الثقافة. فهذا الشكل ليس عابراً ولا فردياً، بل هو انعكاس لثقافة مؤسسية واجتماعية تراكمت عبر عقود؛ ثقافة ترى في الرجل الحيادي/ العقلاني مؤهلاً أكثر للجلوس على مقعد الحكم، فيما تُحاصر المرأة في قوالب نمطية تجعل حضورها استثناءً أو ديكوراً لتجميل الصورة، وكأنّ العدالة في القرار والحكم أو الصرامة الأكاديمية حكرٌ على الذكور وحدهم. وهناك أيضاً التصورات النمطية عن موضوعية الرجل، مقابل انحياز المرأة التي تلحق بها تهمة نقص العقل والدين، مقابل كمال الذكر وملائكيته، والتفكير بجدوى أن تكون هناك ذاكرة مجتمعية وثقافية تحفظ سير الرائدات باعتبارهن القدوة التي صنعت أسماءهن مغموسة بصعوبة البدايات الحقيقية.

ولأن هذا الوجود ليس رفاهية على الإطلاق؛ فانعكاساته تبدو جلية في فقر الرؤى التي يعتمد قدر كبير منها على التفاصيل التي تحتاج إلى موهبة تبرع فيها معظم الإناث، بحكم الفطرة المجبولة عليها، مع ضرورة كفاءتها للمكان المنصوص لها، وسينتج عن هذا إنتاج قراءة أحادية للأعمال الفنية والثقافية كافة، دون مراعاة حساسية النوع الاجتماعي، أو التمثيل المتوازن، كما أنه سيضيق الفرص للأجيال القادمة ممن يرغبن في سلك نفس الطريق، باعتبار أنه ما الذي حققته من سبقننا في المجال؟ إن غياب المرأة عن محل القرار يعني غياباً لرؤية مغايرة، وصوت مختلف، وتجربة حساسة لأسئلة الهوية، يُقصي نصف المجتمع من المشاركة في صياغة أحكامه، وهذا ما يرسّخ قراءة أحادية، ويكرّس عجزه عن تجديد لغته النقدية، وعن تمكين أجياله الشابة من اتباع نفس الخطى التي مر بها من سبقوه في إقصاء يكون الأصل فيه بنداً أساسياً وليس ترفاً اختيارياً.

ومعالجة هذا “الداء” لا تتطلب أكثر من إرادة واضحة وسياسات عادلة تراعي التوازن الجندري في التمثيل المؤسسي؛ بحيث لا يُنظر إلى وجود المرأة بوصفه استثناءً أو مِنّة، بل ضرورة معرفية وفكرية لصحة المشهد المسرحي. فالسيمترية المنشودة ليست في حضور عددي متساوٍ فقط، بل في إيمان حقيقي بأن المسرح لا يكتمل إلا حين تُسمع كل الأصوات، ويُمنح القرار للذكور والإناث معاً، كلٌ بما يحمله من رؤية وتجربة. هكذا فقط يمكن أن نتحدث عن مشهد ثقافي وفني عربي متوازن، خالٍ من عاهة السيمترية الأنثوية.


[1]  https://populationtoday.com/ar/#google_vignette