دعتني صديقتي لحضور عرس ابن عمها. كنا جالستين عندما انطلقت من ساحة الرقص موسيقى الأغنية الإيطالية الشهيرة ciao bella ciao فسحبتني صديقتي إلى ساحة الرقص وهي ترفع صوتها بابتهاج: “هذه الأغنية رائعة”. ضحكت لأن صديقتي دائما ما كانت تقول لي إنني يسارية في الوقت بدل الضائع: “ياخ في زول عاقل لسة مؤمن بالشعارات دي ولسه بيحلم أنها تتحقق في الواقع ووين؟ هنا في هذه البقعة من العالم؟”.
كنت ابتسم بانتصار وانا أرى مدى انفعالها و تفاعلها مع أشهر أغاني المقاومة اليسارية في إيطاليا، وعندما وصل مقطع الأغنية الذي يقول si io mouio da partigane tu me debes sipallere زاد انفعال صديقتي فارتفع صوتها مردداً كلمات المقطع بنشوة وهي تميل عليّ:”هذا أجمل جزء.. جزأي المفضل في الأغنية”. ضحكتُ بصوت عالٍ، فالمقطع يقول: “إذا مت وأنا مناضل يساري من واجبك أنت أن تدفنني”.
كلمة partigane (بارتجاني) الواردة في المقطع تعني حرفيا “رجل الحزب أو رجل حزبي أي أنه ينتمي إلى حزب سياسي” لكنها في تاريخ إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الثانية اتخذت معنى آخراً، فأصبحت تعني اليسار المناضل أو بالأصح الشخص الذي ينتمي إلى الأحزاب اليسارية أو الحزب الشيوعي تحديداً.
عقب الحرب العالمية الثانية كانت إيطاليا تواجه إنقساماً مجتمعياً مناطقياً سياسياً ، شكّل خطراً هدد وجودها كما عرفناها إيطاليا اليوم.. الحكم الفاشي المستبد، والفقر المقدع والشتات الإيطالي في كل بقاع العالم بحثاً عن حياة كريمة كانت أسباباً كافية لتمزيق نسيج هذا البلد المكوّن في الأصل من رقع من دويلات و ممالك وإمبراطوريات متباينة الانتماءات والثقافات، لكن التاريخ لا يفتأ يذكر الأدوار العظيمة التي لعبتها الأحزاب اليسارية والحزب الشيوعي الإيطالي في الحفاظ على وحدة هذا البلد العريق وتأسيس الجمهورية الإيطالية الرائعة التي نعرفها اليوم، فقد خاض رجال و نساء الأحزاب اليسارية معركة كفاح اجتماعي سياسي، و حتى مسلح، قدّموا فيها شبابهم وأرواحهم من أجل العدالة الاجتماعية وترسيخ قواعد الديموقراطية التي تنعم بها إيطاليا الآن.
عقب سقوط الفاشية وميلاد الجمهورية الإيطالية أصبحت مفردة (بارتجاني) مفخرة ولقباً يعني وسام شجاعة في المجتمع الإيطالي، فعلى أكتاف اليساريين وقع حمل إعادة العدل المجتمعي وتصحيح مسار التعليم وتوعية الناس بأهمية السياسة ومسؤولية الإدلاء بالأصوات في الانتخابات لاختيار من يصلح فعليا للحكم وترسيخ حقوق الفئات المهمشة في المجتمع، وقد واجهت الأحزاب اليسارية وما تزال محاربة شرسة من الدولة العميقة المتمثلة في الرأسمالية اليمينية ورجال الدين، واليمين المتطرف والقانونيين المنتمين للفاشية البائدة، فلاحقتهم الاغتيالات وتشوية السمعة وتلفيق التهم ونشر فوبيا اليسار بين البسطاء، فعلى الرغم من تشابه الأدوار التاريخية للأحزاب اليسارية في أمريكا اللاتينية و إيطاليا نجد أن اليسار اللاتيني يجري مجرى الدم في العروق والدولة بينما في إيطاليا الراهنة كما هو حال اليسار في منطقتنا مُحارب من قبل دوائر النفوذ الاقتصادية والسياسية المنتفعة التي تجد الدعم من المحاور الإقليمية التي تربطها المصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالعودة إلى صديقتي وإلى الأغنية فإن إيطاليا تفردت بميزة عبقرية في مجال الأغنية الوطنية.. هذه الكلمات الخفيفة تجعل حفظ الأغنية سهل جداً، حتى لو لم تكن تعرف معني اي كلمة فيها، واللحن الراقص الذي يدفع بأكثر الشيوخ وقارا لأن يميلوا ويطربوا.
أن تسافر أغنية خاصة بتاريخ بلد عبر الزمن، وتعبر القارات فتعزف موسيقاها في حفلات الزفاف وأعياد الميلاد والتخرج ويرقص علي وقع كلماتها كل من يسمعها ويردد مفرداتها دون أن يحتاج إلى فهمها أمرعظيم يثبت أن المقاومة لا تموت وأن للتاريخ عدة طرق يتمّ توثيقه بها خارج الكتب، أجملها الأغنيات والموسيقى الراقصة.
إليكم ترجمتي لهذه الأغنية التي ستبقى واحدة من أجمل أغنيات المقاومة في العالم caio bella caio:
افقت في صباح أحد الأيام
وجدت نفسي أمام خيارين
إما الاستسلام للمغتصب
أو طريق النضال
محاطاً بالموت
وإذا متّ مناضلاً
يجب عليك دفن جسدي
اجعل قبري على سفح الجبل
تحت ظلّ زهرة جميلة
يمرّ الناس بقربها كل يوم
فيقولون: “أوه ما أجملها من وردة”
تردّ عليهم: هذه الوردة هي روح المناضل
الذي دفع حياته ثمناً للحرية
مرحبا ياجميلة!


