“حين رفعت رأسي” لفوزية مطر: تأمل في ثنايا التاريخ ومعاناة النساء

0
147

تبدأ رواية “حين رفعتُ رأسي” المليئة بالأحداث، بهذه السطور: “حين أبكر الجد أبو محمد في الجلوس على المصطبة الإسمنتية الملحقة بالجدار الخارجي لمجلس بيته الكبير المواجه للطريق المطلة مباشرةً على ساحل بحر “الحالة” جنوبي المحرّق، لم يكن ينتظر القدوم اليومي لأصحابه من رجالات الحي فحسب، بل ليبقى فترةً قبل وصولهم، وحيداً متأملاً في اتساع البحر وزرقته الممتدة أمامه حتى السماء، متجاهلاً صخب النوارس، منصتاً أكثر وأكثر لهاجس قلبه الملح برغبته في زيادة واتساع ذريته.”

هي الرواية الثانية للكاتبة فوزية مطر بعد رواية “نساء”، وتقع في مائة وتسعين صفحة من فصلين، حيث كُرس الفصل الأول لشيخة والفصل الثاني لحصّة، وتصدت الرواية لبعض من تأريخ الحركة الوطنية، أو شذرات منه على طريقة الروائيين حيث الوقائع تتحول إلى روح أو حياة أو إيقاع.

ركزت فوزية مطر على أنماط معينة من النساء، وأرادت من تلك الحكايات أن تصبح ذاكرة ووعياً وحساً للأجيال التي لم تعاصر تلك الأحداث ولم تواجه المشاكل التي عاشتها النساء على وجه الخصوص، ويمكننا القول إن هذه الرواية رحلة مزدوجة يحكمها سؤال البحث والتنقيب عن ثقل الماضي المضني على المرأة، ومقدار العسف والفقر والحاجة والعوز الذي وقع على النساء في تلك السنين وحاجتهن إلى العمل لمساعدة أزواجهن في أعباء الحياة: “أخرج لكسب رزق عيالي من عملٍ ليس هناك أشرف منه. هل تظن أن ما تعطيني إياه من مصروف زهيد يغطي السنوات التي تقضيها خارج البلاد؟”، ويمكننا القول أيضا بأن ما قامت به الكاتبة كان له صدى في القبض على الماضي بوصفه تاريخاً بالإمكان تحويله إلى رواية تُحكى وهذا ما فعلته باقتدار، مما أعطى الرواية قوتها وجماليتها.

لا شك أن الراوية وهي بصدد كتابة روايتها كانت تتأمل التاريخ، وتحديداً تاريخ العلاقات الاجتماعية في تلك الفترة وتعقيداتها مما حدا بها لقراءة ذلك الواقع بعينٍ فاحصة، دققت في ثنايا العلاقات بين الرجل والمرأة والعائلة بشكل عام، وأنتجت نصاً محكماً في الشكل والمضمون، وفي تصوري أنّ (حين رفعتُ رأسي) كُتبت في إطار الرواية الواقعية بتوظيف الحكايات الشعبية في النص القصصي وإن ظل النص في محتواه المرجعي رواية واقعية، فالعلاقات الاجتماعية ناتجة بالضرورة عن الوضع الاقتصادي في تلك الفترة وما تمخضّ عنه من حياة صعبة لطرفي المعادلة، الرجل والمرأة، على حدّ سواء.

كرست الكاتبة “حين رفعتُ رأسي” للحديث عن النساء المهدرة حقوقهن، والمعاناة التي يعشنها جراء العسف والاضهاد من قبل المجتمع، وبالمرور على واقع العمل الوطني والحركات السرية والمد القومي آنذاك والكفاح من أجل التحرر من الاستعمار والنضال المشترك للمرأة والرجل: “أنا سياسي يا حصة وحياتي صعبة جداً، فوق ما تتوقعين، حياة متقلبة متغيرة لا يمكن الوثوق بها”، لتردّ عليه: “أنا أيضًا سياسية، نتقاسم الشغف نفسه”. إذن هو النضال المشترك للرجل والمرأة على حدٍّ سواء الذي وحد الشعب البحريني في مقارعة الاستعمار والتخلف بقيادة الحركة الوطنية آنذاك، والكاتبة كانت واعية تماماً بتاريخ الوطن من خلال أحداث الرواية المنصب على محاربة التقاليد المقيدة والمسيطرة على حرية المرأة من خلال واقع ذكوري يقيّد حركتها في المجتمع والعمل على وجه الخصوص.

كما أن الراوية من خلال سرد يوميات حياة البطلتين شيخة وإبنتها حصة أوصلت رسالة تتضمن عذابات المرأة وكفاحها في مواجهة القيود المجتمعية والاستعمار والتخلص من هذين العدوين حتى يستطيع المجتمع التطور والتقدم وهي عملية ممتدة ومعقدة وطويلة الأمد.

ولما كانت فوزية دارسة للتاريخ وذات تدريب عالٍ على القراءة الفاحصة، فقد تمكنت في روايتها هذه من توظيف معارفها وقدراتها في قراءة المشاكل الاجتماعية التي أدت وتؤدي إلى التخلف بوجود الاستعمار وإبقاءه على هذا التخلف والاستثمار فيه، وظفت الوثيقة السياسية والمعلومات التاريخية أيضاً في الرواية وانتجت نصًا متلازما مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي في تلك المرحلة، ووجدت مخرجات للولوج للفكرة التي تعمل عليها فاصبحت تلك الحكايات مادة للرواية وموضوعاً لها.

تركز فوزية في روايتها على تجربة شيخة وإبنتها حصّة وتفاصيل الحياة اليومية والعلاقات المتداخلة في المجتمع وما لقيتاه من صعوبات في شتى مناحي الحياة وتنقل إلى القارئ تلك الأحداث التي مرّتا بها، وإنصافاً للكاتبة نقول إن روايتها اجتازت حاجز الروايات الكلاسيكية التي تركز على الهوامش دون الولوج في المواضيع المهمة، فأنجزت عملاً ممتازاً، نتيجته رواية “حين رفعتُ رأسي”.