حين يصبح الذكاء الاصطناعي ناقداً للمسرح
قرأت -ذات تصفُّح- مقالاً مكتوباً بطريقة محكمة مرتبة، لكنه مريب ويثير الاستغراب؛ لأنه لا يتفق واسم الكاتبة التي مهرت صفتها بما يتعلق بالثقافة، دون أن يكون ذا صلة بالواقع البعيد عن توجهها عموماً، ليس على سبيل التجنّي، ولكن معرفةً بالتكوين والخلفية المعرفية مسبقاً. وهذا نموذج حي للبروز والمزاحمة، وليس السعي الآدمي المحمود ضمن نماذج كثيرة في كل منافذ الحياة التي ثبت أن لها مردوداً على أي مستوى. وليس القصد بالطبع أن يكون أي مجال حكراً على أشخاص أو فئة معينة، طالما أن العمل قدم بإتقان، لكن الفارق في قراءة أسباب ما وراء هذه الكتابة، أو الاقدام على فعل الإقحام بمعناه السيء.
وهذا ما دفعني لتفحّص المضمون المكتوب بعناية لا غبار عليها. لكن القارئ لا يستطيع القبض على المحتوى المقصود بسهولة، بل بين جنبات الجمل المنسقة بعناية؛ حيث لا يمكن استخراج معنى مكثف، ولا حتى أن يحيل إلى مجموعة أسئلة متصلة بالفعل الثقافي. وفي لحظة إدراك، تيقنت من تدخل الذكاء الاصطناعي الذي أحال وسيحيل مهناً كثيرة إلى الاستغناء.
وبعد أن كانت هذه الشخصيات تطلب من أشخاص بشريين آخرين، الكتابة بالنيابة عنها بمقابل مادي وغيره، انتفت اليوم الحاجة إلى هؤلاء الذين باعوا مهاراتهم لمن عرفوا كيف يشقون طريقهم بمجهود ضعفاء ومضطرين، وحل اليوم الذكاء الاصطناعي محلهم. ربما يكون آمناً وسرياً حتى الآن، لكن هل من الممكن أن يؤتمن في المستقبل، أم يتحول إلى صندوق أسود يبتز مستخدميه؟ لكن الصورة ارتبكت حقاً بين الكاتب والمستَكتَب! خصوصاً حين يغطي هذا لقباً أكاديمياً ظهر من الجهات المانحة بشكل “فخري”، وبأسلوب مجاني فج، أو أخذت بطريقة ملتوية يبدو في خارجها الوقار، وداخلها غش ورشاوى! صورة مصقولة، وصفة مختلقة، ومستقبل باهر.. من الادعاء!
أزحت صورة المقال عن ناظري، شاعرة بكم السلبية الذي تملّكني لمعرفة حقيقة كثيرين مثل الصورة المصقولة؛ يديرون المواضيع بغير طرق الكفاءة المعهودة، لكنهم يتبوّؤن مناصب مهمة تتحكم في مفاصل مصيرية! ثم طرأ لي سؤال مشروع، وقررت أن أجرب أن أطلب من الذكاء الاصطناعي أن يكتب لي نقداً عن عرض مسرحي!
لم أكن أتخيل يوماً أن أطلب من آلة أن تكتب نقداً عن عرض مسرحي، لكن الفضول دفعني لتجربة الأمر. كتبت له وصفاً مختصراً لعمل شاهدته، وتركته لثوانٍ معدودة في تحليل المعطيات، وبعدها مباشرة ظهر أمامي نص متقن يحمل مصطلحات مسرحية متخصصة، ويجتهد لجعلها مادة متماسكة تصب في الحدث، يصبها ليكون الراوي العليم بأبعاد كل شيء؛ وكل شيء مرتب، ودقيق، ومهني، لكن شيئاً واحداً كان غائباً تماماً: الدهشة.
وقراءة النص المكتوب بعقلانية وحياد يظهره قطعة واحدة بالفعل، لكن بلا أي ارتعاش شعوري. لم تكن فيه حرارة اللحظة، ولا أثر لتفاعلي أو تفحصي ولا انسجامي مع أداء الممثلين، ولا مراقبتي للعناصر الأخرى. لا وجود لحرارة اللحظة، رغم أن الكتابة النقدية تتطلب غلبة العقل على العاطفة، لكنه بدا جثة تنام في وداعة مخيفة، لا نبض فيها. ومن ثم جاء السؤال: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفهم المسرح حقاً، إن لم يختبره؟
النقد المسرحي ليس مجرد تقرير يصف ما حدث على الخشبة، بل تجربة موازية للعرض، تُكتبها الذاكرة والعين والعاطفة، وتحفر في الذاكرة ما يلامس الشعور، ويوقظ الأحاسيس المتشابهة أو الإنسانية بشكل عام، والناقد لا يدوِّن ما رأى فقط، بل ما شعر به: ارتباك أمام لحظة صدق، أو إحباط من أداء باهت، أو ارتعاش حين يسقط القناع عن الممثل.
كل هذا لا يمكن برمجته. فالآلة لا تتعرّق، ولا تنتظر، ولا تخاف أن تفوتها لحظة الحقيقة أو اتصالها مع الحدث على الخشبة. الآلة تحسن ترتيب الأفكار، لكنها لا تعرف المذاق المسرحي؛ مزيج الرائحة، والصوت، والحركة، والظل. والاتكاء غير البشري على كتابة تحليل لمادة إبداعية، تشبه سماع وصفة وجبة لم يتذوقها من يرويها؛ يقنع العقل، لكنه لا يشعل الحواس، خصوصاً في المسرح، وهو الفن الحي الذي يتطلب الانتباه الشديد لتفاصيل العرض؛ حيث لا إعادة، ولا استراحة، ولا تثبيت صورة. والنقد -بشكل ما- هو استعادة العرض بالتحليل الذي يوثق التجربة للزمن، لكن حين تتولى الآلة الكتابة، يتحول الاسترجاع إلى تلخيص، والتأمل إلى تصنيف. وأخطر ما يهدد النقد اليوم هو فقدانه لحسّه المسرحي: القدرة على أن يشاهد بالكلمات وبعض الجمل التي تعطيه الإحساس بمشاهدة العرض، لكن ما يحدث أن الآلة تصنف، والإنسان يربط العرض بالوجود والقضايا الإنسانية والمجتمعية.
الإنصاف يقتضي القول إن الذكاء الاصطناعي ليس عدواً، بل هو مرآة دقيقة لما نغذيه به. إن أعطيناه نصوصاً تقليدية، أعاد إنتاجها. وإن قدّمنا له نقداً حرّ الفكر، سيحاول التعلم، لكنه لن يخلق مثله. فالآلة تجيد المحاكاة، لا الاكتشاف. والمسرح قائم على هذا حين يعري صورنا الداخلية وقضايانا التي نخبئها دوماً تحت السجاجيد، ظناً منا أننا غير مرئيين من الداخل، وأن صورنا “المصقولة” من الخارج كافية للتصدير عمن نكون!
تداعت أمامي أيضاً مسألة تفتحت قبل سنوات، حين أثار ناقد عربي مهم فكرة اقتباس عرض مسرحي مأخوذ من نص عالمي فاز بجوائز مهمة في مهرجانات ذات قيمة أيضاً، وكان النقاش يدور حول أحقية نسب الإبداع؛ هل للآلة، أم للفريق الذي اجتهد لترجمة النص، سواء كان من نفس الآلة، أو إبداع مؤلفه؟ وإذا كان هناك اعتراف بالاقتباس، فكيف يمكن الفصل بين ما هو حقيقي وأصيل وبشري، وبين ما هو آلي؟
كانت هذه المسألة محل انقسام بين مؤيد ومعارض، منحاز ومتربص، والرافض لفكرة تدخل الآلة في الإبداع لديه شعور بسلب شيء كان يظنه حصراً على البشر: القدرة على الكتابة والتحليل وإنتاج المعنى. لكن ما يميزنا ليس المعرفة، وإنما الوعي بها. فالآلة تعرف ماذا، ونحن نعرف لماذا، بدون أن نختبر هذا في نظريات أو مناهج محفوظة. هي تقرأ المسرحية، ونحن نسمع صدى الممثل خلف الجدار الرابع، ونشعر بزخات عرقه وهو مرتبك، أو وهو يمثل ما يشعر به حقيقة في حياته، وجاءت فرصة التعبير عبر دور أمام جمهور يستعذب أداءه ويصفق له.
لذا لا أرى -بشكل شخصي- أن الذكاء الاصطناعي يهدد النقد المسرحي كما يهدد مهناً أخرى عديدة، ويسحب البساط منها بسهولة: العد، والنقد، والحسابات، والأرقام، وحفظ القوانين، وتحليل البيانات، هو فقط يعيد طرح السؤال الجوهري عن ماهية النقد، وهل هو تحليل تقني، أم تجربة وجودية؟
والتاريخ يذكِّرنا بهذه الصراعات المتشابهة، مثل تلك التي دارت -ولا زالت- حول عبثية أفضلية واستمرارية الكتاب الورقي أو الإلكتروني، رغم أنه لا تقارب بين ما نحن فيه، وبين هذا المثال الصارخ. لكنه نبذة عن حيرة البشرية حول ما سيحسمه الزمن والحاجة وإيقاع الوقت، في حين أن المستقبل لا يحمل صراعاً بين بشري وآلة مصنوعة، تتفوق عليه بالكم، لكنه يغلبها بالكيف. الذكاء الاصطناعي يقدم البيانات، والآدمي يحولها إلى بصيرة حية.
أدركتُ بعد حُمّى فكرية والانتهاء من قراءة نص الآلة: أنه ذكي جداً، لكنه لم يدهشني. إن الدهشة لا تُبرمج! الدهشة هي ما تجعلنا بشراً، وما يجعل المسرح فنّاً لا يمكن نسخه. والنقد المسرحي ليس وظيفة لغوية، بل فعل دهشة مستمرة، حتى في وجود بعض النقاد الذين يستهويهم وضع مصطلحات معقدة لإظهار التعالي المتعمد، وهم مكشوفون، أو يُكتشَفون مع الوقت، ويفقدون مصداقيتهم للأبد. ومن يقع في الحفرة، من الصعب أن ينهض مجدداً معافى منها، متناسين أن الناقد الحقيقي يرى بحواسه مجتمعة، مع علم وتذوق لا تحسنه الآلة، ولا يغلبه أي ذكاء مختلق.


