من المستحيل أن تعرف حقيقة ما يدور في أية ثورة أو احتجاجات شعبية في بلدٍ ما، ما لم تكن أحد سكّان ذاك البلد، حتى لو التصقت بشاشات التلفاز وتابعت كل شاردة وواردة تبثّها وكالات الأخبار وما أكثرها من أخبار مضللة، ولأنّ كل هذه الثورات والاحتجاجات يقودها الشباب اليافع “جيل زد” يتبادر للذهن سؤال: ما الذي يريده جيل زد؟؛ هذا الجيل الذي قضى طفولته وشبّ منكفئاً على شاشات المحمول والألعاب الإلكترونية، لا يدري شيئاً عمّا يدور حوله!
الحقيقة الوحيدة المؤكدة في كلّ هذه التحركات الشبابية والثورات الكاسحة أن جيل زد كان في إنكفاءته على الهاتف إنحناءه من يطلّ على الدنيا، من نافذة عليا تفتح على كل العالم وعلى كلّ ما يدور فيه. عقد أفراد هذا الجيل في طفولته صداقات إلكترونية عبر ألعاب الفيديو مع أقرانهم من مشارق الأرض ومغاربها، تعلّموا باكراً أن الناس بيضاً وسود جميعهم يمتلكون نفس العقل والضمير وأن الديانات كلها لا تضيف ولا تنقص شيئا من قيمة الفرد في المجموعة.
جيل أدرك باكراً في مراهقته أنّ العالم يعجّ بالتنوع، وأن الموسيقى سلالم عدّة كلها تقود للبهجة والاحتفال، وأن الطعام الجيد والتعليم والصحة حقوق أساسية. عرف أنّ الثراء لم يعد فقط مصدره الذهب والبترول، بل أن كل شبر من التراب وكل ذرّة من الهواء وقبل ذلك الإنسان ثروة طبيعية يمكنها أن تنهض بالأمة وتقود البلد إلى الرخاء.
تعلمّ هذا الجيل في انكفائه على الهاتف الكثير عن كوريا والصين واليابان وأوروبا وأمريكا وأفريقيا، وعرف أن مفتاح الحياة الكريمة وسرها هو في الحكم الرشيد، وأن الزمن تغيّر لم تعد القبيلة ولا لون البشرة ولا الدين ولا المذهب فيه بوصلة الإنسان. عرف مبكرا معنى الفساد وأنه أكبر معوقات التنمية والحياة الكريمة والمساوة بين البشر في الحقوق.
ذاق أبناء وبنات جيل المذاق المرّ عندما رأوا بأم أعينهم أن المدرسة والملعب والمستشفى والجامعة، والوظيفة فيما بعد، كلها تحتاج لواسطة وليد تطلب في العلن الرشوة، وأخرى تقدّمها في وضح النهار كأمرٍ واقع. لم تعد تسير الحياة بدونه بينما هنا بين يديه يطلّ على عالمٍ يقدر الموهبة والذكاء والقدرات الجسدية والحماس والعزيمة على أساسهم تمضي حظوظ الناس.
جيل زد في كل الدنيا ثائر في هذه اللحظة. ثائر على كل السياسات القديمة والأعراف الاجتماعية التي قسّمت الناس إلى اغلبية تملك الحظوة وأقلية مهمشة مقموعة لا تملك إلا الفتات. ثائر حتى على اليسار أو بعضه، حين أن الشعارات الرنانة وحدها لا تشبع ولا تغني، وقبل ذلك ثائر على اليمين لغطرسته وتعاليه ودعمه لكل ما يفرق. ثائر حتى علي مقاييس الجمال القديمة الغبية؛ هل رأيتم قصّات وتساريح الشعر لجيل زد.. ألم يفاجئكم هذا المجهود المضني والنقود التي يصرفها أفراد هذا الجيل ممن يملكون شعراً مستقيماً ناعماً لاكتساب الشعر المجعد الذي كان في زمن سابق مثيراً للسخرية؟، وهل لاحظتم ميل الفتيات من هذا الجيل إلى ارتداء الملابس الفضفاضة “أوفر سايس” وميلهن لقصات الشعر القصير، ألم يخطر ببالكم أنها مظهر من مظاهر الثورة على قالب الجمال التقليدي لمنحنيات الجسد الأنثوي الذي تكبس بداخله الفتيات والنساء من أجل إثارة الأعجاب والحصول أخيراً على زوج؟
الواقع أن جيل زد انحنى وانكفأ طويلا على هاتفه المحمول وأجهزته الإلكترونية ليشكل وعيه بما يدور حوله في العالم، ويعرف تماماً ما يريده من هذه الدنيا؛ الطعام المشبع والملبس الأنيق والبيت الآمن والتعليم المثير للحماس والعمل الذي يدعم موهبته والراتب الكريم الذي يصرفه فيما يسعده والوقت الكافي ليبتهج بالحياة ويستمتع بنعمها الكثيرة.
كان بالإمكان أن نختصر ما يريده جيل زد بكلمتين “حياة كريمة” لكن لا.. هذا لا يكفي.. هذا الجيل دقيق جداً في ما يريده من الحياة ويعرف وقادر تماما على قيادة وتصحيح مسار العالم وإعادة السلام لهذه الأرض والبهجة والمتعة للحياة. إنها المعركة نفسها التي خاضتها أجيال سابقة وقدّمت فيها التضحيات، لكن جيل زد يخوضها بأدوات ووسائل تناسب الزمن الذي نشأ فيه، موظفاً المهارات التي لا تملكها الأجيال الأسبق.
تحركات جيل زد تؤكد أن معركة نيل الحقوق عابرة للأزمنة والأجيال. لكل زمنٍ سماته، ولكل جيلٍ أدواته.


