تتصدر أولويات البرلمان مطالب وحاجات المواطنين في تأمين ظروف عيش كريمة، إلى جانب مهام لا تقل أهمية، وهي متابعة خطط ومشاريع السلطة التنفيذية ومجمل العملية السياسية التي تنعكس على أمن واستقرار البلد الاجتماعي والسياسي، وتؤثر في تطوره وتنميته. ويبرز في هذا السياق الدور المحوري للمجلس النيابي، باعتبار أن أعضاءه منتخبون من الشعب، يمثلون إرادته وتطلعاته، وهو ما يتجلى في البرامج الانتخابية للمرشحين، وتصريحاتهم في وسائل الإعلام، والمقترحات التي يتقدمون بها في المجلس، والتي يدور معظمها حول قضايا المواطن المعيشية.
ومع اقتراب نهاية هذا الفصل التشريعي، إذ لم يتبق منه سوى بضعة أشهر، يُفترض أن يركز النواب جهودهم على متابعة ما قدموه من مشاريع ومقترحات قبل الانشغال بالتحضير للاستحقاق الانتخابي القادم.
الملفات الكبرى على الطاولة
القضايا التي سينشغل بها المجلس في ما تبقى من الفصل ليست جديدة، بل هي امتداد لما طرُح في أدوار سابقة: البطالة، والإسكان، والتقاعد. ملفات متجذرّة ومستمرّة منذ فصول تشريعية عديدة، تضاف إليها قضايا مثل التوازن المالي، وارتفاع الدين العام، والدعم، وقانون الكهر باء الجديد، إلى جانب مشاريع البنية التحتية وخطط شبكة المترو، ومدى التقدم في تنفيذ الخطط المنبثقة عن رؤية البحرين 2030.
هذه الملفات تفرض على المجلس أن يبحث عن إجابات حقيقية حول حجم التقدم فيها، والمعوقات التي حالت دون تحقيق إنجازات ملموسة، وما ترتب على ذلك من صعوبات للمواطنين وهدر للطاقات والأموال العامة. كما أن من الضروري أن يُقيّم المجلس حصيلة أدائه التشريعي والرقابي، ويقف عند الأسباب التي أدت إلى ضعف مخرجاته، في ظل شعور عام بعدم التغيير طوال السنوات الماضية.
في ملف البطالة، ورغم ما جاء في رؤية البحرين 2030 من تشخيص مبكر لتحديات سوق العمل، فإن الأرقام الرسمية تظُهر تصاعداً في معدل البطالة، خاصة بين حملة الشهادات العليا، إذ بلغ عدد الباحثين عن عمل أكثر من 17,400 مواطن بنسبة 6.2%، كثير منهم متعطلون منذ سنوات. وقد حذرّت الرؤية عند صدورها عام 2008 من تضاعف حجم القوى العاملة البحرينية، وتدني الأجور، وركود متوسط الأجور في القطاع الخاص ،وعدم اعتبار المواطن البحريني الخيار المفضل فيه، ووعدت بخلق فرص عمل جديدة وتوفير أجور حقيقية أفضل. لكن الواقع يطرح تساؤلاً واضحاً: ماذا تحقق فعليًا من تلك الوعود ؟
أما في ملف الإسكان، فلا يزال عشرات الآلاف من المواطنين ينتظرون دورهم منذ أكثر من عشرين عاماً، وبعضهم تجاوزت طلباتهم خمسة وعشرين عاماً. وفي ملف المتقاعدين، يتواصل القلق من تنامي العجز في صناديق التقاعد، ومن غياب المعالجة الجادة التي تجنّب المتقاعدين تبعات السياسات السابقة في إدارة الهيئة واستثماراتها.
وفيما يتعلق ببرنامج التوازن المالي، فرغم الإجراءات التي اتخُّذت لتقليص الإنفاق عبر برامج التقاعد أو الخصخصة، فإن بند الرواتب ما زال يتصدر أبواب الميزانية. كما يظل ملف الدين العام من دون رؤية واضحة لدى الحكومة أو المجلس النيابي لمعالجته أو الحد من تصاعده.
ضعف الأداء التشريعي والرقابي
هذه التحديات المتراكمة ولّدت لدى شريحة واسعة من المواطنين إحساساً بالإحباط، ودفعت بعضهم إلى الدعوة لإغلاق المجلس النيابي لضعف إنتاجيته في الجانبين التشريعي والرقابي، معتبرين أن توجيه ميزانيته إلى دعم المعيشة سيكون أجدى. ورغم أن هذا الرأي لا يمكن تأييده، إلا أنه لم يأتِ من فراغ، بل يعكس شعوراً عاماً بعدم قدرة المجلس على تلبية طموحات المواطنين.
فعلى الصعيد التشريعي، ورغم كثرة المقترحات بقوانين التي يقدمها النواب، فإن القليل منها يتحول إلى قانون نافذ. فمعظم القوانين التي تقُرّ هي إما مراسيم بقوانين تصدر بأسم جلالةالملك ويقتصر دور المجلس على الموافقة أو الرفض دون تعديل، أو مشاريع قوانين حكومية بالأساس. ففي الدور الأول من هذا الفصل التشريعي مثلاً، أقُرّ مشروع قانون واحد فقط هو تعديل المادة (353) من قانون العقوبات، رغم أنه مقترح قديم يعود لمجلس 2014.
أما المقترحات برغبة، فكثيراً ما ترد الحكومة عليها بأنها “متحققة على أرض الواقع”، في إشارة ضمنية إلى ضعف صلتها بالواقع العملي. ويعود ضعف المخرجات إلى سببين رئيسيين: أولاً، بطء الآلية البيروقراطية في مناقشة المقترحات وصياغتها، كما حدث في مقترح تعديل المادة(43) من قانون الجمعيات الذي استغرق دورين تشريعيين في الصياغة. وثانياً، ازدحام جدول أعمال المجلس بعدد كبير من المقترحات غير المدروسة، ما يشتت الجهد ويؤثر على عمل اللجان ويهدر الوقت والطاقة.
وعلى الصعيد الرقابي، أدت التعديلات الأخيرة على اللائحة الداخلية إلى تقييد صلاحيات المجلس، خاصة فيما يتعلق بالاستجوابات التي باتت شبه مستحيلة، والمناقشات العامة التي أفُرغت من مضمونها. كما تراجعت متابعة تنفيذ توصيات لجان التحقيق، بل جاءت بعض التطورات مخالفة لما انتهت إليه تلك اللجان، كما في نتائج التحقيق في ملفي البحرنة والتقاعد.
حتى أداة السؤال النيابي، وهي الأضعف رقابياً، تعاني قصوراً واضحاً، إذ لم تجُب الحكومة إلا على 103 من أصل 166 سؤالاً في الدور الثاني من هذا الفصل التشريعي، أي أن نحو 40% من الأسئلة لم يرُد عليها. يضاف إلى ذلك ضعف تعاون بعض الجهات الحكومية مع لجان التحقيق، وهو ما تفتتح به أغلب تقارير تلك اللجان.
نحو برلمان أكثر فاعلية
لمعالجة هذه المعضلات، لا بد من مراجعة شاملة للعملية الانتخابية وشروطها، إذ أسهمت تعقيداتها السياسية في إنتاج مجالس يغلب على أعضائها ضعف الخبرة في الشأن العام والسياسي، ما انعكس على أدائهم المحدود .وقد أدى هذا الوضع إلى انطباع عام بأن المجالس النيابية متماهية مع السلطة التنفيذية أكثر مما هي رقيبة عليها، وهو ما ساهم في عزوف فئات من المواطنين عن المشاركة الانتخابية، سواء بسبب الإحباط أو تعقيدات جداول الناخبين، أو القوانين التي تحرم شريحة من حق الترشح والانتخاب، رغم ما يكفله الدستور والعهدان الدوليان من مساواة في الحقوق السياسية.
كما أن نظام الدوائر الفردية ضيّق دور النائب وحوّله، تحت ضغط مطالب المواطنين، إلى متابع للخدمات والتوظيف والإسكان، لا مشرّع أو مراقب فعلي، خاصة مع ضعف صلاحيات المجالس البلدية. وقد انعكس ذلك في طبيعة المقترحات البرلمانية التي بلغ عددها في الدور الثاني 274 اقتراحاً برغبة، معظمها خدمات مناطقية، حتى أن بعض البلديين أعربوا عن تذمرهم من تدخل النواب في اختصاصاتهم.
ورغم كل هذه التحديات، تبقى هناك فرص محدودة لإحداث اختراق في بعض الملفات، كما حدث في عدد من القوانين والقرارات الوزارية التي جاءت استجابة لما أثير في المجلس عبر الأسئلة والمناقشات العامة ولجان التحقيق. وهذا يتطلب وجود مجموعة من النواب يتمتعون بالكفاءة والخبرة والجرأة السياسية، قادرين على التنسيق وبناء التحالفات حول الملفات المعيشية الكبرى، بما ينعكس إيجاباً على أداء المؤسسة التشريعية .
الخروج من هذه الدائرة يتطلب من الجميع – السلطة التنفيذية والمواطنين – مواجهة الواقع بوضوح، والسعي إلى مجلس نيابي يعبر فعلاً عن تطلعات الشعب، ويتمتع بصلاحيات تمكّنه من أداء دوره التشريعي والرقابي كشريك حقيقي في إدارة الدولة. فالشريك القوي والمستقل برأيه هو القادر على تحمّل المسؤوليات الوطنية الكبرى، أما الضعيف التابع فسيصبح عبئاً على السلطة التنفيذية ذاتها .
إن تمكين جميع القوى السياسية والاجتماعية من المشاركة في العملية السياسية ضرورة لإنجاحها، ولن يتحقق ذلك إلا بتمكين جميع المواطنين من ممارسة حقهم في الانتخاب والترشح بحرية وعدالة، لتكون العملية الانتخابية معبّرّة عن إرادة حقيقية، وليمارس المواطنون حقهم في التغيير الإيجابي.
وفي الختام، أرى أن على جميع الأطراف – من مواطنين وقوى سياسية وقيادات مجتمعية – التفكير ملياً في حالة المراوحة الراهنة. فالمشاركون في العملية الانتخابية مدعوون لتقييم أدائهم بموضوعية والعمل على تطويره بما يليق بمسؤولياتهم، أما المقاطعون فعليهم التأمل في أثر موقفهم ومدى مساهمته في تغيير الواقع. فهل يكتفون بدور المراقب والناقد، أم يبحثون عن سبل أكثر فاعلية للمشاركة في الإصلاح؟ إنه سؤال يستحق التأمل بعمق.


