أحالت الحكومة إلى مجلس النواب المشروع بقانون بتعديل المادة (43) من قانون الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة والمؤسسات الخاصة، الصادر عام 1989، مرفقاً يمذكرة تعترض عليه واشتملت على ملاحظات عديدة، والمشروع بقانون المذكور مقدّم من نواب كتلة “تقدّم”: إيمان شويطر، عبد النبي سلمان، د. مهدي الشويخ، إضافة إلى النائبين زينب عبد الأمير وأحمد عبد الواحد قراطة، وصوّت مجلس النواب بالموافقة عليه بالأغلبية في جلسة 6 فبراير 2024 في دور الانعقاد الثاني من هذا الفصل وقرر إحالته للحكومة لوضعه في صيغة مشروع قانون.
التعديل المقترح لا يتعارض مع أحكام قانون الجمعيات
ورد في مذكرة الحكومة المرفقة مع مشروع القانون أن تعديل المادة (43) من قانون الجمعيات يتعارض مع أحكام قانون الجمعيات، مستندة في ذلك، كمثال، على الفقرة الثانية من المادة (4) من القانون لإثبات هذا التعارض، والتي تنصّ على أنه: (ويجب ألا يشترك في تأسيس الجمعية أو ينضم إلى عضويتها من حُكِم عليه في جريمة مخلّة بالشرف أو الأمانة إلا إذا رُد إليه اعتباره).
غير أن حكم هذه المادة دليل على صحة ومشروعية تعديل ما نصّ عليه مشروع القانون، وليس دليلاً على تعارضه، ذلك أنه لا يجوز، قانوناً، حرمان من اشترك في تأسيس الجمعيات الأهلية أو انضمّ إليها بعد توافر شروط العضوية فيه، فمن لم يُحكَم عليه في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة، من حقّه أن يكون قيادياً فيها، بل لا تحرمه من هذا الحق وإن حُكِم عليه بهذه الجريمة بصورة دائمة، بل يظل هذا الحق قائماً بعد أن يُرَد إليه اعتباره، ويتفق هذا مع ما هو مقرر في الفقه والقضاء بأن حقَّي الانتخاب والترشح حقان متلازمان لا يجوز الفصل بينهما، ويتوافق مع ما تنصّ عليه الأنظمة الداخلية للجمعيات الأهلية بحق العضو بعد مدة معينة من قبول عضويتها في الترشح لعضوية مجلس إدارتها.
وبإنزال ما تقدّم على واقع من ترشح لمجالس إدارة الجمعيات الأهلية منذ تعديل المادة (43) وتمّ رفض ترشحه، سواء كان مؤسساً للجمعية أو عضواً انضم إليها بعد التأسيس، لم يصدر بحقه حكم في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة، وإلا لم يتم قبوله عضواً فيها.
التجريد المدني محدد المدة وليس دائماً
ترى الحكومة في معرض ملاحظاتها على مشروع القانون أن الشخص الذي يفقد اعتباره ويحرم من بعض الحقوق السياسية ويُجعَل غير صالح لتولي بعض المناصب العامة أو الخاصة هو في الغالب نتيجة أحكام جنائية صدرت في مواجهته؛ لأنّ المشرع البحريني، كغيره من التشريعات، تبنى بالنص في قانون العقوبات على عقوبة التجريد المدني، ومعنى هذه العقوبة هو حرمان المحكوم عليه من كل أو بعض الحقوق والمزايا التي حددتها المادة (53) من قانون العقوبات، منها الحرمان من الحق في تولي الوظائف والخدمات العامة، والحق في أن يكون ناخباً أو منتخباً في المجالس العامة، والحق في أن يكون ناخباً أو منتخباً في الهيئات المهنية والنقابية. وبإنزال ما تقدم على واقع من ترشح لمجالس إدارة الجمعيات الأهلية منذ تعديل المادة (43) في عام 2018 وتمّ رفض ترشحه، لم يصدر في مواجهته حكم جنائي أو حكم يشتمل على عقوبة التجريد المدني، وأنه على افتراض وجود مثل هذا الحكم بالتجريد المدني وهو افتراض غير قائم على الحقيقة، فإن مذكرة الحكومة تتجاهل أن هذا الحرمان ليس أبدياً لا نهاية له بنصوص صريحة في قانون العقوبات؛ فالمادة (59) منه تنصّ على أن “الحكم بالسجن يستتبع الحرمان من كل الحقوق والمزايا المنصوص عليها في المادة 53 وذلك من يوم الحكم حتى نهاية تنفيذ العقوبة أو انقضائها بأي سبب آخر”.
الحاجة مُلحة لتعديل المادة (43)
تبرر الحكومة معارضتها لمشروع القانون بعدم وجود سبب جديد أو حاجة مُلحة لتعديل النص، ذلك لأن قبل صدور التعديلات الدستورية لعام 2002، وقبل صدور قانون مباشرة الحقوق السياسية عام 2002، لم يكن قانون الجمعيات يتطلب شرط التمتع بالحقوق السياسية لعضوية مجالس الإدارة، وكان يكتفي بشرط التمتع بالحقوق المدنية فقط، لكن في عام 2018 أقرّ مجلس النواب تعديل المادة (43)، فاشترط التعديل أن يتمتع أعضاء مجالس إدارة الجمعيات بالحقوق السياسية إلى جانب الحقوق المدنية. وأن هذا التعديل جاء بناءً على اقتراح من مجلس النواب، وذلك إدراكاً لأهمية الجمعيات ودورها الحيوي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع البحريني، ولضمان سلامة تمثيلهم للمجتمع وصلاحيتهم لإدارة العمل العام، وأن هذا التعديل كان متفقاً مع المصلحة العامة.
إن هذا التبرير الذي ساقته الحكومة يجعلنا نسأل: هل كان هناك سبب جديد وحاجة ملحة لتعديل نص المادة (43) في عام 2018 لإضافة شرط التمتع بالحقوق السياسية لمن يتولى قيادة الجمعيات الأهلية؟ ولماذا لم تُعدَّل المادة (43) من قانون الجمعيات بعد صدور دستور 2002، أو بعد صدور قانون مباشرة الحقوق السياسية عام 2002؟ لماذا انتظر المشرِّع حتى عام 2018، أي بعد مرور أكثر من 15 سنة، ليشترط تمتع من يترشح لمجلس إدارة الجمعية الأهلية بحقوقه السياسية؟
في الإجابة على هذه التساؤلات نشير إلى الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى: هل هناك من ينكر أو لم يعايش في ظل قانون الجمعيات الأهلية عام 1989، وفي ظل أصل المادة (43) حين كانت تشترط في عضو مجلس الإدارة أن يكون متمتعًا بحقوقه المدنية فقط؟ وقد توسع نشاط هذه الجمعيات وتعدد في ظل المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، وكانت شريكًا فاعلاً ومؤثرًا في إقرار ميثاق العمل الوطني والمشاركة في الانتخابات النيابية والبلدية، وكان دورها حيويًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع البحريني.
الحقيقة الثانية: هل هناك من في مقدوره أن يتجاهل أن التعديل الذي أجراه المشرع على المادة (43) في عام 2018، بحرمان من لم يتمتع بحقوقه السياسية من أن يكون عضواً في مجالس إدارة الجمعيات، قد ساهم إلى حد كبير في فقد الجمعيات لمن كان من أعضائها يتمتع بخبرة العمل التطوعي، وترتب عليه ضعف حراك الجمعيات الأهلية كشريكٍ فاعل في التنمية؟
الحقيقة الثالثة: إنّ الحكومة في مذكرتها المرفقة مع مشروع القانون هي من تجاهلت الحقيقتين سالفتي البيان حين أوضحت أن تعديل المادة (43) عام 2018 جاء بناءً على اقتراح من مجلس النواب، وذلك إدراكاً لأهمية الجمعيات ودورها الحيوي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع البحريني.
ولكن هذا الادراك كان خاطئاً ذلك أن نشاط وعمل الجمعيات الأهلية حيوي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع البحريني قبل تعديل المادة عام 2018 ، إذاً فإن ما جاء في مذكرة الحكومة من قول بأن مجلس النواب هو من اقترح تعديل المادة (43) عام 2018، وذلك إدراكاً لأهمية الجمعيات ودورها الحيوي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع البحريني، لا محل له؛ لأن الدور الحيوي كان متحقِّقاً وموجوداً، بل إن هذا التعديل قد ساهم في تأكُّل حيوية نشاط الجمعيات.
إذا نصل إلى أنه طالما لم تكن هناك حاجة ملحة أو سبب جديد في التعديل على المادة (43) عام 2018، فالحاجة ملحة وقائمة ومتوافرة لتعديل ذات المادة على النحو الذي نصّ عليه مشروع القانون في الأهداف التي يسعى إليها هذا التعديل، ولعل من أبرزها وأهمها ما نصّ عليه ميثاق العمل الوطني في الفصل الأول حين اعتبر نشاط المجتمع المدني من المقومات الأساسية للمجتمع، وأن هذا النشاط يجب ألا يُحرم منه من كان يتمتع بالكفاءة والخبرة في العمل التطوعي الأهلي، وأن التعديل سيعيد للجمعيات الأهلية دورها الحيوي في المجتمع.
تعديلات مخالفة للدستور
تستند الحكومة في معارضتها لمشروع القانون على أحكام المادة الثالثة من المرسوم بقانون رقم (14) لسنة 2002 بشأن مباشرة الحقوق السياسية، وتعديلاته التي جرت عام 2018 للتدليل على تعارض التعديل المقترح مع المادة المذكورة من قانون مباشرة الحقوق السياسية، ونرد على ذلك بما يلي:
تجنّب رأي الحكومة الإشارة إلى أن الهدف أو السبب الرئيس من التعديلات التي أجراها المشرع على المادة (43) من قانون الجمعيات عام 2018، وهو حرمان قيادات وأعضاء الجمعيات المنحلة من تولي قيادة الجمعيات الأهلية الخاضعة لقانونها، ولم تلاحظ أن التعديلات التي أجراها المشرع على المادة الثالثة من قانون مباشرة الحقوق السياسية هي غير دستورية، فهي لا تنال وتنتقص من حق الاقتراع العام ومن سيادة الشعب باعتباره مصدر السلطات جميعها، كما نص عليه الدستور فحسب، بل تمتد إلى النيل من حقوق المواطنة، إذ تلاحق المواطن مدى حياته، فلا يفلت منها إلا بوفاته، عندما تمنعه من حق الترشح لمجلس النواب حتى وإن رد إليه الاعتبار أو حصل على عفو خاص. كما أنها تتعارض مع مبدأ شخصية العقوبة التي نصّ عليها الدستور حين تمنع قيادات وأعضاء الجمعيات المنحلة من حق الترشح، فتخلط ما بين الجمعية السياسية التي لها شخصيتها الاعتبارية المستقلة، وبين قيادات وأعضاء الجمعية الذين لهم شخصيتهم الطبيعية المستقلة عن الجمعية التي ينتمون إليها. فالعقوبة دائماً شخصية بمعنى أنها لا تلحق إلا شخص الجاني، ولا تنال أحداً غيره، ولا يكاد يخلو دستور واحد من دساتير العالم من نصّ مماثل، وقد أكد مبدأ شخصية العقوبة القرآن الكريم في قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
بالإضافة إلى تعارضه مع مواد أخرى في الدستور وما نصّ عليه العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، تناولناها في أكثر من مرة حول عدم دستورية تعديلات المادة الثالثة من قانون مباشرة الحقوق السياسية، ولعل من أبرز ما أشرنا إليه أنه من المثير للاستغراب في هذه التعديلات أنها تمنع فئات واسعة من المجتمع، وهم قيادات وأعضاء الجمعيات السياسية التي تمّ حلها، من الترشح لمجلس النواب، لكنها تجيز لهم الحق في الانتخاب والمشاركة في العملية الانتخابية، وهو ما يتعارض مع ما هو مقرر في الفقه والقضاء الدستوري على أن حقَّي الانتخاب والترشيح هما حقان متكاملان لا تقوم الحياة النيابية بدونهما، ولا تتحقق للسيادة الشعبية أبعادها الكاملة إذا ما أُفرِغا من المضمون الذي يكفل ممارستهما ممارسة جادة وفعالة، ومن ثم كان هذان الحقان لازمين لزوماً حتمياً لإعمال الديمقراطية في محتواها المقرر دستورياً ولضمان أن تكون المجالس النيابية كاشفة في حقيقتها عن الإرادة الشعبية ومعبرة تعبيراً صادقاً عنها
ولعل الجديد في هذا الشأن الذي يتعين الإشارة إليه هو ما جاء في مذكرة الحكومة بأن معظم حالات الحرمان من الحقوق السياسية، على أساس أن الجرائم المخلة بالشرف أو الأمانة تمس النزاهة الشخصية وتؤثر على ثقة المجتمع في الفرد، وتؤكد في ملاحظاتها الثالثة على أن فقدان الحقوق السياسية يتعارض مع حسن السمعة، ولا يتفق مع المصلحة العامة، ولا يتناسب مع احتياجات تلك الكيانات، بل إنها ترى في مشروع القانون المقترح أنه يشكل تهديداً للسمعة الطيبة لهذه الجمعيات وللمصلحة العامة.
غير أن الواقع يكشف عن عدم صحة قول الحكومة المشار إليه، إذ ترشح عدد من أعضاء الجمعيات الأهلية لمجالس إدارتها، بعضهم كان مؤسسًا منذ تكوين هذه الجمعيات وبعضهم كان عضوًا فيها، وتم رفض ترشحهم من قبل الوزارة المعنية، وبعضهم كان قد شغل مجالس إدارتها في فترات سابقة، بل إن معظم المشتغلين بالعمل الأهلي التطوعي وتمّ رفض ترشحهم هم من خيرة أهل البحرين، بينهم محامون وباحثون ومدرسون وأطباء ومهندسون، وسيدات ورجال وشباب تمتلئ قلوبهم بحب الخير، تتشابك أياديهم من أجل صالح الوطن والإنسان ذوي السمعة الطيبة، ويستحقون التقدير والاحترام، ولم نجد من بين هؤلاء، كما جاء في مذكرة الحكومة، من صدر بحقهم حكم جنائي أفقدهم الاعتبار، أو مس بنزاهتهم الشخصية مما يؤثر على ثقة المجتمع وسمعتهم به.


