استميحكم العذر فى هذه المحاولة للتوقف أمام ما يمكن أن نعدّه دروساً وعبر نخرج بها مما جرى لغزة من توحشٍ وهمجية وعدوانٍ غير مسبوق من كيان محتل. كثيرة هي الدروس، بعضها مؤلم وموجع، وبعضها باعث للأمل، فما حدث لم يكن مجرد حربٍ عسكرية من كيان غاصب ومحتل ،بل كان اختبارًا أخلاقيًا وإنسانيًا كشف عورات العالم، وفي الوقت نفسه أيقظ ما تبقى لهذا العالم من ضمير حيال ما لم يكن يوازن أو يتوازن ..!
الدرس الأول: سقوط الإنسانية. غزة لم تكن ساحة قتال فحسب، بل مرآة لانهيار كل معاني الإنسانية وأمام عدسات الكاميرات، أطفالٌ يُنتشلون من تحت الركام، مستشفيات تُقصف، ومدارس تُحوّل إلى مقابر، ومجتمعٌ دولي يكتفي ببيانات “القلق” و”الشجب” و”التنديد”، وعبارات “نأسف”. لقد سقطت المبادئ والقيم التي تغنّى بها العالم المتحضر حين قُتل الأبرياء وصمتت المؤسسات، حدث ذلك حين اعلن الغزاة مجدداً هويتهم الإرهابية، وأكدّوا ما قال عنهم محمود درويش “الإرهابيون بامتياز، هم القتلة بامتياز، هم القراصنة بامتياز، هم قطاع الطرق بامتياز”.
الدرس الثاني: ازدواجية المعايير: غزة عرّت النظام الدولي، وأظهرت أن العدالة والحرية ليست للجميع، فالدول التي تتحدث عن “حقوق الإنسان” و”كرامة الشعوب”، و”القيم الإنسانية” لم تقف متفرجة فحسب، بل وجدناها تبرر القصف وتدافع عن القاتل، وتساوي بين الجلاد والضحية باسم “حق الدفاع عن النفس”، أو بذرائع لا مكان للمنطق فيها، إنه نفاق ودجل سياسي بأوضح صوره، حيث تُصان القوانين في مكان وتُخرق في آخر، بحسب هوية القتيل وجنسية الجاني.
الدرس الثالث: حياد متواطئ؛ الحياد في غزة لم يكن حيادًا شريفًا، بل كان تواطؤًاً أنيقًا مغلفًا بالديبلوماسية، من يلتزم الصمت أمام الإبادة، ومن يختبئ وراء “الوساطة المتوازنة”، إنما يمنح القاتل وقتًا أطول ليقتل أكثر. هذا الحياد الذي تلبّس ثوب “الإنسانية” كان في جوهره شريكًا في الجريمة، وهو الذي منح العدوان غطاءً أخلاقيًا زائفًا.
الدرس الرابع: صمود لا يُقهر: رغم كل شيء، غزة لم تُهزم، بل هزّت العالم، شعبٌ محاصر منذ أكثر من عقد ونصف، يُقصف ويموت، لكنه لا ينكسر. صموده أصبح مدرسة في الإرادة ودماء أبنائه أصبحت وقودًا لصحوةٍ جديدة، ويمكن القول بمنتهى الثقة إن غزة لم تكن فقط ضحية، بل كانت رمزًا للكرامة المقاتلة، ومرآةً تُعيد تعريف معنى البقاء والحرية.
الدرس الخامس: صحوة الضمير العالمي: وهنا الدرس الأهم الذي لا يجوز إغفاله، رغم توحش العدوان وصمت المؤسسات، فقد شهدنا صحوةً عالميةً غير مسبوقة، تجلّت في المواقف الشعبية من نيويورك إلى لندن، ومن مدريد إلى سيدني، حيث خرجت الملايين من البشر — عربًا وغربيين، مسلمين ومسيحيين ويهودًا يهتفون باسم غزة، ويدينون الاحتلال، ويطالبون بالعدالة. حتى بعض الدول الغربية التي طال صمتها، بدأت تُراجع مواقفها، وتُدرك أن استمرار دعمها الأعمى للعدوان يعني تواطؤًا مع القتلة، وإضرارًا بسمعتها أمام شعوبها. نعم، جاءت المواقف متأخرة، لكنها — رغم تأخرها — تشكل بارقة أمل في أن العالم بدأ يستيقظ، وأن الضمير الإنساني لا يموت، وإن نام طويلًا.
الدرس السادس: موقف جامعتنا العربية، وهي الجامعة التى احتفلت قبل شهور بالذكرى الثمانين لتأسيسها بوصفها منظمة إقليمية وكيان مؤسسي يضمّ الدول العربية لتحقيق أهداف وتطلعات الشعوب العربية وتعزيز تضامنها، وهى التى اعتبرت القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى، هذه الجامعة يكفي القول إنها بدت وكأنها “ميتة إكلينيكيا”، وظلّت فى دائرة الاجتماعات بمخرجاتها التي ظلت فى إطار الشجب والتنديد والمطالبات وادانة كل ما تعرض له الشعب الفلسطيني وما يتعرض له حاليا من عدوان وانتهاكات، وباختصار كيان عربي لا أثر له فى المحطات المفصلية من تاريخ العرب، لذلك لم يكن مستغرباً أن نسمع من يطالب بإلغاء الجامعة العربية وتحويل مقرّها الى مواقف للسيارات، فمواقفها أكثر من القرارات ..!!
بكل بساطة ووضوح: غزة لم تكن حدثًا عابرًا، كانت درسًا مفتوحًا، امتحانًا مكشوفًا لضمائر العالم، ومرآةً حقيقية كشفت ما نخفيه من جبن أو شجاعة، من خوف أو يقين، من إنسانية أو ادعاء، غزّة قالت لنا: ليس النصر ما يكتبه المنتصرون، بل ما يثبته الصامدون وليس الهزيمة ما يحدث في الميدان، بل ما يحدث في الوعي، غزة ولّدت وعيًا جديدًا، وفضحت ازدواجية المعايير، وأثبتت أن الشعوب — لا الحكومات — هي التي تملك مفاتيح الضمير الإنساني.
ختاما نقول ، ما جرى في غزة ليس مجرد مأساة، بل امتحان سقط فيه كثيرون، ونجح فيه القليلون. ..!


