خصخصة قطاع الكهرباء .. المقدّمات والتبعات

0
65

قبل ما يزيد على عقدين من الزمن، بدأت البحرين مرحلة جديدة في إدارة قطاعي الكهرباء والماء، حين تمت ترسية مناقصات تنفيذ محطة «العزل» في عام 2004 كأول محطة لتوليد الكهرباء تبنيها وتشغّلها شركات القطاع الخاص. وقد مُنحت المناقصة حينها لتحالف شركات متعددة الجنسيات، تبعها بيع محطة الحد لإنتاج الكهرباء والماء في عام 2006 إلى شركات أجنبية أخرى، ثم الترخيص ببناء وتشغيل محطتي الدور 1 والدور 2 للقطاع الخاص. ومع تقادم المحطات الحكومية الأخرى التي تديرها هيئة الكهرباء والماء، أصبحت الحكومة خارج عملية دائرة عملية انتاج الكهرباء  بحلول عام 2022، فيما تقلّص دورها في إنتاج المياه إلى نحو 5.3% فقط من إجمالي الإنتاج اليومي.

خلال تلك الفترة، تناولت الصحافة المحلية هذا التحول بملفات موسعة، تضمنت تحقيقات ومقابلات وتصريحات رسمية. وكان من أبرزها تصريحات وكيل الكهرباء والماء آنذاك، المهندس مجيد العوضي، في أبريل 2004، التي أكد فيها التزام الحكومة بتجنيب المجتمع أي تبعات اجتماعية أو معيشية قد تنتج عن عمليات الخصخصة. وقد ركّز بشكل خاص على ملف البحرنة، مشيراً إلى أن نسبة البحرينيين في قطاع الكهرباء والماء تجاوزت 91%، مع طموح لرفعها إلى 93%.

وتعزّز هذا الخطاب لاحقاً في عام 2007 خلال مناقشة مشروع قانون إنشاء هيئة الكهرباء والماء، حين أكد وزير الكهرباء والماء آنذاك، الشيخ عبدالله بن سلمان آل خليفة، أن الوزارة لن تستغني عن موظفيها البحرينيين، معتبرةً إياهم “رأس مالها” ومؤكداً تقديرها وافتخارها بهم.

وفي السياق ذاته، شدد وكيل الوزارة في تصريحه في 2004 على التزام الحكومة بالمحافظة على أسعار الخدمة، بما في ذلك تعرفة استهلاك الكهرباء والماء ورسوم توصيل الخدمة للمواطنين. وأعاد التأكيد في 2007 على أن تحويل الوزارة إلى هيئة لا علاقة له بالتعرفة، إذ إن التعرفة تُقرّ بقرار من مجلس الوزراء، ما يعني أنها تخضع أيضاً لمراجعة النواب. وبالتالي، فإن الهيئة ليس لها أي دور في تحديد الأسعار، وأن الحكومة ممثلة بوزارتي الكهرباء والماء والمالية، وبمصادقة مجلس الوزراء، هي الجهة الحصرية المختصة بهذا القرار. وفق نص تصريح الوكيل

كان هذا التوجه منسجماً مع المبادئ الدستورية التي تنص على العدالة الاجتماعية، والتي تُعد إطاراً موجهاً لسياسات الدولة الاقتصادية والمعيشية، وخصوصاً ما يتعلق بفرص العمل وتكاليف الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء، التي تشكّل ركناً أساسياً في مستوى المعيشة للمواطنين.

إلا أن الواقع اليوم يكشف تراجعاً ملحوظاً في مستوى البحرنة. فبحسب إحصائيات هيئة الكهرباء والماء، لم ترتفع نسب البحرنة إلى 93% كما كان مأمولاً، بل انخفضت إلى نحو 84% داخل الهيئة نفسها. أما في الشركات المشغلة للمحطات، فقد أصبحت النسب أكثر انخفاضاً، فالمحطة الأكبر التي كانت تُدار حكومياً بكادر بلغت بحرنةُ وظائفه 82% في بداية خصخصة قطاع الأنتاج، لا تتجاوز نسبة البحرينيين العاملين فيها حالياً 40%. ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى غياب تشريعات واضحة تضمن أولوية المواطن في العمل، وإطلاق يد الشركات في جلب العمالة الأجنبية دون ضوابط كافية، وهي المشكلة ذاتها التي تمتد إلى قطاعات أخرى.

أما فيما يتعلق بأسعار الخدمات، فقد شهد المواطنون زيادات فعلية في تعرفة الكهرباء والماء. ورغم المحافظة على الدعم في “البيت الأول”، إلا أن هذه الزيادات أثرت بشكل مباشر على أصحاب الأعمال الصغيرة، وعلى عموم المواطنين عبر ارتفاع رسوم توصيل الخدمة وأجرة العدادات. كما انعكست بصورة غير مباشرة على عموم المواطنين جراء ارتفاعه على قطاعات الخدمات وتجارة التجزئة.

وينص دستور مملكة البحرين، كغيره من الدساتير، على مبدأ العدالة الاجتماعية من خلال تكريس حقوق أساسية مثل الحق في العمل والتعليم والصحة، مؤكداً مسؤولية الدولة في التدخل الإيجابي لضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وتحقيق مستوى معيشي لائق للمواطنين. وعند إقرار زيادة تعرفة الكهرباء في عام 2016، تم تبرير القرار بضرورة ترشيد الاستهلاك وتقليل العجز في الميزانية ودعم استدامة القطاع. ومع ذلك، لم يكن الدين العام حينها قد وصل إلى مستوياته الحالية، ولا كان العجز المالي قد بلغ نسبه الراهنة، ولم تكن ضريبة القيمة المضافة قد ارتفعت إلى 10%، ولم تكن علاوة المتقاعدين السنوية قد أوقفت. وبرغم ذلك، كان للزيادات أثرٌ مباشر واضح على معيشة المواطنين.

واليوم، ومع التوجه نحو مناقشة تغييرات جديدة قد تؤدي إلى انسحاب الدولة بالكامل من قطاع الكهرباء والماء، والاكتفاء بدور “الهيئة الناظمة”، يبرز سؤال جوهري: هل هناك رؤية واضحة أو التزام صريح من الحكومة لضمان عدم انعكاس هذه التغييرات سلباً على المواطنين؟ أم أن المؤسسة التشريعية سيكون لها موقف آخر يحمي مبدأ العدالة الاجتماعية ويراعي الحقوق الدستورية للمواطنين في العيش الكريم؟