صندوق النقد الدولي أداة غير محايدة

0
38

تعلو أصوات كثيرة متسائلة عما إذا كان صندوق النقد الدولي أداة محايدة لاستنقاذ الأمم والشعوب، أم أنه أحد أوراق الهيمنة العالمية المالية التي خلفها النظام العالمي منذ ثمانية عقود تقريبًا، هذا النظام الذي تكرس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ونشوء وارتقاء النظام الدولي الجديد، بقيادة الولايات المتحدة، وفي عهد بوش الأب.

هذا الحديث ينقلنا إلى تعليق لمنصة الأخبار “INDEPENDENT” عربية، ملخصه، أن الجانب الأمريكي يمتلك حق النقض “الفيتو” بحكم الأمر الواقع، بحيث يسمح له بمنع أي عملية يعتبرها مخالفة لمصالحة، على سبيل المثال في خريف 1956، عندما هاجمت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر، منح البيت الأبيض قرضًا طلبته لندن، ما وضع الجنيه الإسترليني في وضع صعب، وأجبر الحكومة البريطانية على التخلي عن حملة السويس.

يذهب الصحافي وأستاذ الفلسفة الألماني أرنست فولف، إلى التعليق على فكرة حيادية صندوق النقد الدولي، بالقول: “إنها ترّن في أذن الساسة، كأن الصندوق مؤسسة حيادية، يكمن هدفها الرئيس في ترك العالم الاقتصادي يعمل بأكبر قدر ممكن من النظام، وفي تصحيح الاختلالات بأسرع وقت متاح”.

لكن الحقيقة، هي أنها إحدى المؤسسات التي أنشأتها القوة العظمى الجديدة، الولايات المتحدة، لتفرض ليس هيمنتها العسكرية فحسب، بل الاقتصادية أيضًا على العالم. وقد عرفت أدوار الصندوق في مراحله المختلفة جدلًا واسعًا، حول نجاعتها من جهة، وحول مدى ارتباطها بأجندات سياسية توجهها من جهة أخرى.

وهو بصدد الحديث عن سياسة الكيل بمكيالين التي يتبعها صندوق النقد الدولي يقول الكاتب والإعلامي التونسي شريف الزيتوني، غالبًا ما نهتم نحن العرب أننا نعيش أفق ضيق شعاره المؤامرة. ونتهم بأننا نبرر فشلنا بالارتماء وراء هذه الفكرة “المزعجة”، دون أن نبني لأنفسنا أي مشروع بعيدًا عن خيارات الدعم الخارجي، لكن عندما تكون المؤامرة حقيقية الكيل بمكيالين واضح، علينا أن نقولها بلا حرج لأننا وقتها نتخلص من خوف المواجهة.

إن البداية بهذا الكلام في موضوع محوره اقتصادي قد يراه البعض مجانيًا، لكن عندما يكون الاقتصاد هو “المؤامرة” الفعلية لهذا العالم. وعندما تتصرف قوى التحكم الدولية وفق منطق غير عادل، وقتها من حقنا أن نقول الكلام السابق بكل جرأة. ولسنا نحن المتابعين بعيدًا وغير المختصين من علينا قوله فقط، بل دولنا في زوايا الضعف وفي سبيل إرضاء تلك القوى ترضى الصمت الذي تكون مضاره دائمًا أكثر من كلمة الحق.

ما جرنا إلى الحديث في هذا الموضوع هو بلاغ لصندوق النقد الدولي عن منح مبلغ 15,6 مليار دولار كدعم لأوكرانيا، لإنقاذ اقتصادها المنهار بسبب الحرب الروسية. 15,6 مليار دولار هو ميزانية كاملة وربما حتى أكثر لبعض بلداننا العربية، لكن، كما يقول الزيتوني، “الصندوق السخي”، منحها وبشكل سريع وبشروط مسهلة ودون حتى ضمانات واضحة، لكييف في شكل دعم جزئي، وهو ليس الدعم الوحيد منذ بداية الحرب، حيث يضاف أليه ما تم تقديمه من أمريكيًا وأوروبيًا وآسيويُا، من أجل إنقاذ الحليف المهَدّد في وجوده.

في الضفة الجغرافية الأخرى، هناك بُلدان ليست فيها حرب، وشعوبها في وضع اقتصادي صعب وقدّمت ضمانات بما تقدره، لكن الصنع “المُذل” مازال يمارس عليها ضغطًا للتنازل أكثر. هو تنازل في ظاهره إصلاحات اقتصادية، لكن في حقيقته شروط سياسية، من بينها اتخاذ مواقف ضد روسيا مثلًا ومزيد التغول الرأسمالي ومنح راحة لأصحاب الأعمال وحتى التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يبقى وسيلة الابتزاز الأرخص تجاه الدول الفقيرة.

صندوق النقد الدولي كما كان دائمًا هو “كيان” شبيه بدولة افتراضية قوية، تمارس كل أنواع الممارسة السياسية، لكن بشكل غير عادل بين الدول. التي تعطي “بيعتها” وتكون ضمن “معسكره” كحال أوكرانيا ودولة الاحتلال يكرمها بسخاء كبير، والدول “غير المضمونة” رغم صغرها ومحدودية إمكانياتها مثل تونس أو لبنان أو غيرهما، توضع أمامها كل العراقيل وبحجج في الكثير من الأحيان واهية وظالمة ومستفزة، مما يجعلها أمام امتحان السيادة، إما بالتهديد بتغيير تحالفاتها وهذا ناجح وممكن ويحتاج فقط الجرأة، أو البحث عن خيار داخلي عبر خلق موارد قادرة على ترقيع الخلل الكبير في الموازنات.

لا يستخدم صندوق النقد الدولي نفس السياسات في جميع الدول حيث تواجه كل دولة ظروفها وتحدياتها الاقتصادية الخاصة بها. ومع ذلك، يتبنى صندوق النقد الدولي مجموعة من الإجراءات الموحدة التي يوصي بها الأعضاء بإتباعها، والمعروفة باسم “الشروط”، والتي تهدف إلى معالجة بعض القضايا مثل التضخم والعجز المالي ومشاكل ميزان المدفوعات.

وفي هذا الشأن ، تقول الباحثة الاقتصادية بسنت عبدالفتاح: “على الرغم من أن صندوق النقد الدولي يدعي أنه يستخدم إجراءات سياسية مصممة حصرًا للظروف الخاصة بكل دولة، فإن هذا الادعاء ليس صحيحًا لأنه عادة ما يستخدم” مطرقة واحدة لكل المسامير”، بحث يُقدم برامج لا تعتد بالظروف الخاصة بكل دولة، بما يعني أنها غير مناسبة للظروف الاجتماعية أو الاقتصادية للدولة محل التطبيق، بل قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية بدلًا من حلها، لذلك، يتعين على صندوق النقد الدولي، قبل منح أي قرض، تقييم حالة الدولة بدقة لمعرفة الإصلاحات والإجراءات الاقتصادية اللازم تنفيذها لتتجاوز تحدياتها وتحقيق نمو اقتصادي مستدام “.

كاتب بحريني وعضو التقدمي