ملحمة غرامشي في سجون الفاشية الإيطالية

0
145

في منتصف مايو 1924، توافد سبعة وستون شخصا من مختلف مناطق إيطاليا إلى بحيرة “كومو” في الشمال الإيطالي. كان الهدف المعلن لهؤلاء الزوار “العاملين” في إحدى الشركات التجارية المسجلة في مدينة “ميلان”، هو قضاء بضعة أيام جميلة في جولات جبلية على ضفاف البحيرة، كمكافأة من الشركة على أدائهم وإخلاصهم في العمل. على الرغم من وصول المجموعة على دفعات متفرقة، إلا أن كل شيء كان منظماً على نحو دقيق للغاية، بدءاً من استقبالهم في محطة القطار الرئيسية من قبل فتاة كانت تمسك بجريدة وتلوح بها للتهوية من شدة الحر (إشارة سرية للتعرف عليها)، ثم تقودهم بصمت إلى حيث كان أحد الشباب ينتظرهم في محطة التلفريك الجبلي ليرشدهم بعدها إلى مكان إقامتهم في كوخ جبلي اشتهر لاحقا باسم “كابانا مارا”.

أمضى الزوّار بضعة أيام في ذلك المكان الهادئ. كل صباح، وبعد الإفطار، كانوا ينطلقون في مجموعات صغيرة في جولات جبلية تأخذهم عبر ممرات ضيقة تؤدي بهم إلى مقصدهم المنشود: وادي فسيح من العشب الأخضر تنتشر فيه زهور النرجس البيضاء. هناك، وتحت ظلال الأشجار كانوا يتناقشون ويتجادلون حتى موعد عودتهم إلى مكان إقامتهم قبل حلول الظلام. إمعاناً في التمويه كانوا في جولاتهم الجبلية ينشدون الأغاني التي تمجد القائد الفاشي “موسوليني” حسب الأعراف المتبعة آنذاك. أعلى الوادي كانت مجموعة صغيرة من الشبان والشابات تتناوب حراسة المجتمعين على مدار الساعة بعيون يقظة تجاه أي تحركات يمكنها أن تثير الشبهة.

تلك كانت بعض تفاصيل انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي الإيطالي في ذلك العام وفق الوثائق وذكريات بعض المشاركين فيه، والتي أشار لها العديد من مؤرخي سيرة “غرامشي” (لا يزال الحزب إلى يومنا هذا ينظم جولات سنوية لذلك المكان التاريخي). كانت التنظيمات اللوجستية، والسرية المطلقة التي احاطت بذلك المؤتمر بمثابة “أعجوبة تنظيمية” حقاً، بالنظر الى شراسة القمع الذي تعرض له معارضو النظام الفاشي، وخاصة الشيوعيين. كان جهاز المخابرات الفاشي يعلم بأن هناك مؤتمراً هاماً سوف يعقد، ولكنه كان يجهل مكان انعقاده وتوقيته، ومن سيحضره.

من العاصمة روما حضر “غرامشي” للمشاركة بعد أن نجح في خداع المكلفين بمراقبته من عملاء المخابرات (كان في تلك الفترة نائبا في البرلمان الإيطالي ممثلاً عن محافظة “فينيتو”). أجندة مؤتمر “كومو” كانت تتمحور على مسألتين: كيف ينبغي التعامل مع القمع الفاشي الذي بدأ يفتك بالحزب في عنف غير مسبوق؟ وما هي سياسة التحالفات التي يجب على الحزب إتباعها؟

غرامشي بعد عودته من الخارج (قضى سنتين في موسكو وفيينا ممثلا للحزب) لم يتمكن، خلالهما، من توحيد الأجنحة المتصارعة بداخل الحزب؛ يمين طالب بالاندماج مع الحزب الاشتراكي من أجل ملكية دستورية، ويسار متطرف لا يؤمن بالتحالفات ويطالب بانتزاع السلطة على غرار ما فعله البلاشفة في روسيا، وجناح وسَط مثَلّه غرامشي طالب بالتحالف مع الجزء الثوري من الحزب الاشتراكي في إطار جبهة واسعة تطيح بالفاشية. للأسف كان التصويت لصالح الجناح الأكثر راديكالية وهو ما بدا لغرامشي بأنه غير واقعي على الإطلاق. كان واضحاً له أنّ قاعدة الحزب أكثر راديكالية من قيادته، وأنه مهما كانت بنية التنظيم متماسكة، فإن ارتباك البوصلة السياسية لقيادته ستؤدي بالحزب إلى التهلكة في نهاية المطاف. لاحظ العديد من دارسي سيرة غرامشي بأنه لم يكن خطيباً لامعاً، خاصة بالنظر الى صوته الخافت، وكان محبوبا فقط لدى دائرة ضيّقة من رفاقه، كما أنه لم يمتلك مهارات تنظيمية استثنائية بالمقارنة مع قيادي آخر مثل “بورديغا” زعيم الجناح المتطرف ومؤسس الحزب الفعلي الذي امتلك كاريزما قيادية، وشعبية واسعة لدى قواعد الحزب آنذاك.

 بدا الإنهاك والأسى واضحاً على غرامشي في نهاية المؤتمر، وانتابه شعور بالقلق على ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في ظل استمرار هذه الانقسامات الداخلية، مقابل تزايد وتيرة القمع الفاشي. واصل عمله كنائب في البرلمان مع بقية رفاقه على الرغم من كونهم أقلية ضئيلة مقابل اكتساح نواب الحزب الفاشي لغالبية المقاعد. تسارعت الأحداث خلال العامين اللاحقين على ذلك المؤتمر باتجاه ترسيخ الديكتاتورية الإيطالية وزعيمها “موسوليني” لسلطتها على كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي ليلة الثامن من نوفمبر 1926، تمّت مداهمة شقة غرامشي في روما واعتقاله في إطار حملة اعتقالات طالت كل قيادات وكوادر الحزب. أشار العديد من المؤرخين الى أن استهانة غرامشي بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه الفاشية في قمعها ربما كان أحد العوامل التي سهلت اعتقاله. حتى آخر لحظة، كان يعتقد بأن حصانته البرلمانية ستحميه، ولم يتوقع بأن العدو الذي يتعامل معه لن يبالي بأي قوانين وأعراف. 

بعد مضي عشرة أيام على اعتقاله، تمّ إخطار غرامشي من قبل سلطات السجن بأن الحكم قد صدر ضده بالنفي الداخلي لمدة خمس سنوات، وهو نوع من الأحكام التي تصدر عادة ضد السجناء الخَطِرين بنفيهم الى أماكن معزولة من المملكة الايطالية بدون الحاجة إلى أي محاكمة. سرت شائعات في السجن بأن مكان نفيه سيكون “الصومال” إحدى مستعمرات إيطاليا آنذاك، ولكن سرعان ما تبدت له الحقيقة حين وجد نفسه مع رفاقه متجهين في رحلة مضنية بالقطار من روما الى نابولي في الجنوب الإيطالي، وبعدها انطلقوا بحراً إلى جزيرة “أوستيكا” التي وصلوها في السابع من ديسمبر 1926. حين وصل غرامشي وعشرة من رفاقه في قيادة الحزب إلى تلك الجزيرة بدأوا بتنحية خلافاتهم الحزبية جانباً، وتوحيد مواقفهم للتصدي لمحاولات السلطات كسر صمودهم. قرروا افتتاح مدرسة للتعليم في تلك الجزيرة – بعد موافقة السلطات بالطبع- وقام غرامشي بإلقاء سبع محاضرات في التاريخ المصري القديم حتى لا يثير ريبة المراقبين من شرطة السجن. (هناك فيلم جميل أخرجه المخرج الإيطالي “إيملي باربوجي” عام 2016 بعنوان “Gramsci 44” يحكي عن الأربعة وأربعين يوماً التي قضاها غرامشي في تلك الجزيرة). تفاجأ غرامشي ورفاقه بأنه في التاسع عشر من يناير 1927، قررت محكمة عسكرية في “ميلان” استجوابهم تمهيدا لمحاكمتهم.

وهكذا غادر غرامشي الجزيرة مع رفاقه متجهين في رحلة شاقة نحو مدينة” ميلان” استغرقت تسعة عشر يوماً ذاق فيها كل ألوان العذاب، أشدّها وطأة عليه كانت حين تم تقييده بالسلاسل على ظهر السفينة وبقربه سجين مصاب بالصرع ظل طيلة أربعة عشر ساعة يصرخ عليه بشدة. وصل “ميلان” في السابع من فبراير 1927، وبقي معتقلاً فيها لمدة عام منتظراً محاكمته التي بدأت في 28 مايو 1928، مع خمسة وثلاثين من قادة وكوادر الحزب بتهمة التمرد والتحريض على قلب نظام الحكم. في إحدى جلسات المحاكمة طالب ممثل الادعاء العام  “ميشيل إسغرو” القضاة مشيرا بيده إلى غرامشي: “علينا إيقاف هذا الدماغ عن العمل لمدة عشرين عاما!”.

 وهذا ما تمّ بالفعل، ففي الرابع من يونيو 1928 تمّ النطق بالحكم على غرامشي: عشرون عاماً وأربعة شهور وخمسة أيام. تمّ نقله إلى سجن “توري” في أقصى الجنوب الإيطالي، ومن هناك بعث برسالة مؤثرة  إلى شقيقه في التاسع عشر من  ديسمبر 1929  كتب فيها: “عزيزي  كارلو،  لا بد أنك أدركت بأنني غير مُحبط ولا أشعر بأنني هُزِمت على الإطلاق، إذ حتى لو تمّ الحكم عليّ بالموت، فإن الإحساس بالسكينة لن يفارقني، إذ يبدو لي أن الإنسان يجب أن يصل إلى قناعة عميقة  بأن قواه الأخلاقية (إرادته على المقاومة، وقدرته على تحقيق الانسجام بين الغاية والوسيلة) توجد في أعماق ذاته لا خارجها، لذلك فهو إنسان لا ييأس، ولا يسمح لنفسه أبداً بأن تقع فريسة تلك الحالة المزاجية المبتذلة التي تتسم بالتطرف سواءً في التشاؤم أو التفاؤل. إنّ عقلي قادر على الجمع بين هذين الشعورين، بل وأن يتجاوزهما؛ فعقلي متشائم، ولكن إرادتي متفائلة. مهما كان الموقف الذي أواجهه، فإني قادر على تَخيّل الأسوأ، وسأتصدى له بكل ما أملك من قوة الإرادة. وبالنظر الى أنني لا أثق بالأوهام، فإنّ شعوري بخيبة الآمال أمر نادر أيضا.. لقد كنت دائما مُسلحاً بنوع من الصبر غير المحدود؛ صبرٌ قوي يدعم صمودي ومقاومتي، وليس صبر الضعيف والمستسلم.” 

قضى غرامشي ما يقارب خمس سنوات في سجن “توري”، وهناك بدأت حكاية “دفاتر السجن” حين سمحت له إدارة السجن بامتلاك أقلام ودفاتر للكتابة، ومن تلك النقطة تحديداً، وبدءا من فبراير عام 1929 وحتى منتصف عام 1935، ملأ غرامشي أكثر من ثلاثين دفتراً في مواضيع فلسفية وسياسية وثقافية وتاريخية، وبحجم تجاوز الثلاثة آلاف صفحة، بالإضافة الى ذلك كانت هناك ما يعرف برسائل السجن، وهي تختلف عن دفاتر السجن (غالبا ما يتم الخلط بين الإثنين). تزامن كل ذلك النشاط الفكري مع تدهور مستمر في صحته، وبازدياد في نوعية الأمراض التي أنهكته وعانى منها (السل في النخاع الشوكي، تصلب الشرايين، النقرس، ارتفاع ضغط الدم، الأرق المزمن).

بدءأ من عام 1935 حتى ،1937 السنة التي توفى فيها، تنَقل “غرامشي ” بين ثلاث عيادات ملحقة بمعتقلات قريبة من العاصمة “روما”. كل المؤشرات أكدت بأنه كان يعيش احتضارا بطيئا ومؤلما، وأن مقاومته لأمراضه الجسدية أخذت تضعف بالتدريج، وعلى الرغم من تصاعد حملات التضامن العالمية الداعية لإطلاق سراحه بالنظر إلى تدهور حالته الصحية، إلا أن السلطات الفاشية رأت في ذلك دليلاً على أهميته الكبرى، وأصرّت على إكماله لمدة عقوبته.

من جانبه كان موسوليني يتفادى وفاة غرامشي في السجن حتى لا يتحوّل إلى شهيد في عيون أنصاره، ولذلك وافق في نهاية المطاف على إطلاق سراحه، ولكن الأمر استغرق أكثر من سنتين من المعاناة مع الإجراءات البيروقراطية قبل أن يوقع القاضي قرار إطلاق سراحه في صباح الخامس والعشرين من إبريل 1937، وحين أحضرت “تاتيانا” شقيقة زوجته ورقة القاضي لتطلع غرامشي عليها، بدا مذهولاً وبالكاد مصدقاً من أنّه سيكون حرّاً في النهاية. في مساء ذلك اليوم انهار غرامشي في دورة المياه بعد أن أصيب بجلطة بالدماغ شلّت حركته، وتدهورت صحته خلال اليومين التاليين بشكل متسارع إلى أن توفى في فجر السابع والعشرين من إبريل 1937.