الازدواجية السياسية بين الخطاب البراق والممارسة المريرة

1
43

“إن المرء يجب أن يكون مثالًا عن التغيير الذي يرغب فيه”. بهذه الكلمات الموجزة يلخص المهاتما غاندي مبدأً أخلاقيًا أساسيًا يتمثل في ضرورة التطابق بين الأقوال والأفعال، بين المبادئ المعلنة والممارسة اليومية. لكن هذه الحكمة، رغم وضوحها، تظهر كأنها موجهة إلى عالم مثالي بعيد كل البعد عن واقع الساحة السياسية وخاصة في العالم العربي، حيث يسود التناقض صارخًا بين الخطابات البراقة والممارسات الفعلية، في مشهد يجعل من هذه المقولة محض أمنية بعيدة التحقق.

تكشف الممارسة السياسية العربية عن قاعدة شبه ثابتة: في العلم يُنظر إلى القول بمعزل عن قائله، بينما في السياسة يُنظر أولاً إلى القائل ثم إلى القول. هذه القاعدة تنطبق بوضوح على أغلب الأحزاب والقوى السياسية العربية، سواء تلك المتماهية مع السلطة أو المعارضة لها، وإن كانت الأولى أكثر تناقضًا ونفاقًا في خطابها تجاه الجماهير. لقد تحول الزيف والافتراء إلى أداة سياسية يتقنها المسؤولون الرسميون بشكل خاص، في ظاهرة واسعة تطال مجمل السياسيين داخل السلطة الرسمية وخارجها.

من المفارقات اللافتة أن أكثر الدول في العالم استخدامًا لمصطلح الديمقراطية ومرادفاتها في الإعلام هي الدول العربية. فوسائل الإعلام الرسمية تزدحم يوميًا بمفردات الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة والتسامح واحترام الحقوق والليبرالية والتعددية والإعلام الحر والقضاء المستقل والمجتمع المدني. لكن هذه العناوين البراقة تصطدم بواقع مرير حيث نرى نقيضها يتجسد على الأرض: قمع للحريات، وتهميش للعدالة، وتقييد للتعددية، وإعلام موجه، وقضاء يخضع للسلطة التنفيذية في كثير من الأحيان.

ابتليت الجماهير العربية ببلائين متوازيين: الأول يتمثل في مزايدة السياسيين، وخصوصًا الرسميين منهم، في حب الوطن والولاء له، والثاني في مزايدة رجال الدين على العامة في الالتزام بالدين وتعاليمه. تكمن المأساة في أن عامة الناس، الذين يتحملون وطأة الظلم والحرمان، هم في الواقع أكثر حبًا وولاءً لأوطانهم وتمسكًا والتزامًا بدينهم، بينما يستخدم السياسيون ورجال الدين هذه المشاعر كأوراق في صراعاتهم ومشاريعهم الشخصية.

لا يقتصر هذا التناقض على أحزاب السلطة فحسب، بل يمتد إلى أغلب القوى المعارضة أيضًا. فالكثير من الأحزاب القومية واليسارية والإسلامية، عندما وصلت إلى سدة الحكم، لم تلتزم لا بمبادئها وأدبياتها التي رفعتها لسنوات، ولا بالحد المعقول من القوانين والنظم الديمقراطية في مرحلة حكمها. لقد تحولت خطابات التحرر والعدالة الاجتماعية والديمقراطية إلى مجرد شعارات تم التخلي عنها عند أول اختبار للسلطة.

يؤخذ على أغلب الأحزاب والقوى السياسية المعارضة اتساع مساحة اليوتوبيا وضيق الواقعية على مستوى الشعارات والمطالب السياسية. وقد اتضح ذلك جليًا في انتفاضات ما سُمي “الربيع العربي”، حيث بدلاً من التركيز على المشتركات وتحجيم التباينات والفجوات بين أطراف المعارضة ذاتها وبينها وبين سلطة الدولة، حدث الشقاق والصراع بينهم جميعًا، مما أفقد هذه الحركات مصداقيتها وقدرتها على تحقيق التغيير المنشود.

من الموضوعية تحميل سلطة الدولة في البلدان العربية المسؤولية الأكبر في عدم الانتقال إلى طور الديمقراطية والدولة المدنية المتقدمة، فهي تملك القوة الأكبر سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإعلاميًا. لكن هذه المسؤولية لا تعفي بقية الفاعلين السياسيين والاجتماعيين من دورهم في إصلاح النظام السياسي، خاصة عندما يتحولون هم أنفسهم إلى نسخ مكررة من النظام الذي ينتقدونه عند وصولهم إلى السلطة.

تبقى المعضلة الأساسية في الساحة السياسية العربية هي تلك الهوة السحيقة بين الخطاب والممارسة، بين الشعارات البراقة والواقع المرير. إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب إعادة الاعتبار للمبادئ الأخلاقية في العمل السياسي، وضرورة التطابق بين القول والفعل، والانتقال من سياسة المزايدات إلى سياسة المسؤولية، ومن شعارات اليوتوبيا إلى برامج واقعية قابلة للتحقيق. فقط عندما يصبح السياسي مثالاً للتغيير الذي يدعو إليه، كما نصح غاندي، يمكن الحديث عن سياسة حقيقية تخدم الشعوب وتخرجها من دائرة الخداع والوعود الكاذبة.

1 تعليق

Comments are closed.