“ارفع رأسك” .. سيرة رجل ناجح في مهمته متسق مع نفسه في مواقفه

0
150

“ارفع رأسك” كتاب يحكي سيرة المحامي حسن رضي، بقلم الكاتبة باسمة القصاب، كتاب صدر عن دار فراديس، احتوى على 380 صفحة إضافة إلى أرشيف صور.

سررت حين أهداني صاحب السيرة هذا الكتاب، لما سمعتً عنه من منٓ قرأه وأثنى عليه واستحسنه لما يحتويه من معلومات مهمة، لا عن صاحب السيرة وحده، وإنما عن تاريخ البحرين أيضاً.

عند قراءتي للكتاب دُهشت من كمية المعلومات، ودقّة التواريخ والأحداث والتفاصيل والشروحات الواردة فيه، وكذلك مختلف الجوانب التي كوّنت شخصية صاحب السيرة من بداهته وإرادته القوية، حيث كان الإصرار، رغم كل شيء، موطن قوته، مما مكنّ الكاتبة من الحديث وبإسهاب عن تلك الظروف التي ساعدت في نشأة حسن، وبذلت الكاتبة مجهوداً كبيراً لإخراج الكتاب بهذا المستوى من الحرفية في سرد تلك الأحداث بأسلوب غير متكلف مليء بالتفاصيل، وبلغة جميلة تنمّ عن قدراتها.

بحيوية صاحب السيرة وبقوة ذاكرته الحيّة سرد حسن رضي سيرته بكل دقة، مورداً تفاصيل لا تخلو من النجاحات والإخفاقات والألآم والأفراح والانتصار على الذات بقوّة العزيمة والتصميم والمثابرة.

عندما يلخُص الإنسان حياته كلّها ولا سيمّا حياته الخصوصيّة جداً، تبطل الضرورة لتحديد أسماء مرّ أصحابها كالطيف أو صاروا بعيدين عن الحدث، وهذا ما وجدته في هذه السيرة من تمنع من ذكر بعض الأمور غير المؤثرة في الأحداث.

فالكتاب إضافة جديدة لما كُتب عن أحداث البحرين، ولكن هذه المرة بتوسع شمل عدّة مراحل عاصرها أبو صبا منذ الطفولة وحتى أحداث 2011، وكان فاعلاً فيها أو مراقباً إيجابياً لها، فنقلها، عبر الكتاب، بصورة موضوعية، وبمهنية عالية، ما يشدّ القارئ لمتابعة تلك الأحداث والبناء عليها، من دروس، للأجيال القادمة، فلم يترك حسن رضي شاردة ولا واردة عن تلك الأحداث إلا وذكرها بتفصيل دقيق، فصال وجال منذ بدايات الصبا حتى سن السبعين من العمر، فذكر لنا كل ما تيّسر له من معرفة وفهم وتحليل ما مرّ به من أمور فصّل فيها وأعطاها حقها من التحليل والتشريح الدقيق.

كان للسرد المتوازن عن التنظيمات السياسية الفاعلة أثناء الفترة التي عاصرها حسن رضي وأسماء وأدوار من انتسبوا إليها وقادوها، مؤشراً آخر على إستقلالية غير منحازة لأي طرف سياسي إلا ما يتطلبه الواجب الوطني والقومي العروبي.

مواقف صاحب السيرة واضحة من كل القضايا، ودوره بارز لا لبس فيه من مختلف الجوانب السياسية والمهنية كمحام مرموق على المستوى المحلي والدولي، شغوف بالعدالة والالتزام بالقيم المهنية والأخلاقية، له باع طويل في العمل الحقوقي والاجتماعي، بدأ مسيرته القانونية بإصرار على التعلم وتطوير المهارات، ترك بصمة مهنية مؤثرة بمساهماته في تطوير العمل القانوني وخدمة المجتمع في مختلف المجالات.

عرفت حسن رضي منذ أن التحقت بمهنة المحاماة محامياً مخلصاً لمهنته، علاقاته مع الكل المختلف متوازنة، يحمل هم المهنة على كتفه، حريص على الارتقاء بها والذود عنها من دخلاء المهنة ومشوهيها والعابثين بها والطارئين عليها، وحين أصبح رئيساً لجمعية المحامين قدّم كل ما يملك من خبرات وعلم في تطوير أداء الجمعية، وحافظ على استقلاليتها، مترفعاً عن الخلافات كي يستطيع أن يشرف على الحياة من نافذة حرّة.

الكثير من الكتب لا يُدرك المرء أهميتها، إلا إذا ألمّ بالمحتوى وبالأسلوب الذي كتبت به، ومنها هذا الكتاب الذي نجح في وضع الاحداث في مكانها الزمني الصحيح، وهذا ما جعله ذا نكهة خاصة لمحبي السير الذاتية ولمتابعي نشطاء العمل السياسي والاجتماعي والفكري، إذا ما أخذنا بعين الإعتبار أن الكتاب يسلّط الضوء على رحلة إنسانية مليئة بالتحديات والتحولات، ويتعامل بمصداقية مع التجارب الفكرية والسياسية التي عرفتها البحرين، كحركة القوميين العرب والحركات اليسارية، ودور صاحب السيرة في الدفاع عن الحقوق والحريات بصفته محامياً أميناً على مصالح موكليه، مما زاده ثباتاً وقوة في التمسك بالمبادئ والثقة بالنفس والسمو بالرأي الحر المستقل.

كما أن الكتاب يسلط الضوء على الالتزام بمهنة المحاماة ويبرز دور القانون والدفاع عن الإنسان في أحلك الظروف وأصعبها كالأحداث التي شهدتها البحرين في العام 2011 وما تمخض عنها من تداعيات ما زالت آثارها باقية إلى يومنا هذا دون حل، فحمع الكتاب بين السيرة الذاتية والسياق التاريخي الاجتماعي مما يجعله استنطاقاً للذاكرة تظهر شخصية صاحب السيرة على الصعيدين الشخصي والفكري.

من خلال هذه السيرة، وبجهود مُدّونتها باسمة القصاب يتضح لنا أنه من الكتابة، فقط، يمكن للكاتب أن يكتشف قيماً فنية وجمالية، خاصة حين تدور هذه اللكتابة عن سيرة رجل ناجح في مهنته، ومتسق مع نفسه في مواقفه، كالمحامي حسن رضي.