مقام الست

1
92

في لقاء تلفزيوني، تسأل المذيعةُ أمَّ كلثوم عن أكثر ما أعجبها في باريس، فترد الأخيرة بتلقائية وصوتٍ مُعبر عن فخرها بانتمائها ومصريتها: «المسلَّة.. عشان بتاعتنا!». لا يشعر المصريون وحدهم بالفخر والعزّة، بل كل العرب يعتبرون أم كلثوم أيقونة لهم

يُستقبل فيلم «الست» داخل ما يمكن تسميته “سلطة الذاكرة الجمعية”؛ حيث تتحول الشخصيات التاريخية إلى صور ثابتة تتغذى على التكرار العاطفي أكثر من الوقائع، وتغدو محاطة بإجماع وجداني يمنع مساءلتها أو إعادة قراءتها¹. في هذا السياق، لا تُستقبل أم كلثوم بوصفها كائناً تاريخياً قابلاً للتأويل، بل بوصفها رمزاً مغلقاً، وأي محاولة لتمثيلها تُعدّ تهديداً للصورة المستقرة في الوعي العام. هكذا قرأت الهجوم الاستباقي على الفيلم منذ الإعلان عنه وظهور الصورة الأولية بوجه السيدة أم كلثوم، وبنصفه الآخر الممثلة التي ستقوم بالدور.

لم تكن الممثلة «منى زكي» غير مطابقة للمواصفات الشكلية والحسية للشخصية وحسب –حسب رأي الرافضين-، بل جراء مشهد جريء غير معتاد منها في فيلمها قبل الأخير؛ إذ لم يشفع لها نجاح الفيلم والمسلسل اللذين خاضت بهما قضيتين مجتمعتين مهمتين فيهما: التوبة بعد الخطأ، وحقوق الوصاية للأرملة، وبالتالي خضع عمل «الست» لهذا السبب –وبسبب رفض واحدة من جهات الإنتاج التي أُعلن عنها مسبقاً– لمحاكمة أخلاقية وجمالية قبل اكتمال تلقيه، مدفوعاً بالتاريخ الجدلي المذكور، وبنزعة ثقافية تميل إلى حماية الرمز أكثر من مساءلة الخطاب الفني، وهي آفة خطيرة عند الشعوب العاطفية التي لا تقبل النقاش -بالعموم- في شخوصها المقدسة، حتى أن سؤال: “كيف أصبحت هذه الشخصية في مقام إله؟” يُقابل باستهجان شديد، وخروج عن السائد، واتهام يحمل علامات استفهام كثيرة. فما الشعوب بلا رموزها، ومقدساتها، وأساطيرها التي تتحول إلى تاريخ مثبت؟


لكن محبي الست –وأنا منهم– تجاوزوا مرحلة الحب، إلى الإنصات في سماعها دون تشويش أو تفويت أي كلمة، بسبب حدث خارج عالم أغنيتها، ويكفي التركيز على لقطات الجمهور في حفلاتها حتى يُدرك هذا الوصل بينها وبينهم؛ من هيئاتهم وتعبيراتهم وهي تشدو لكل واحد منهم وكأنَّها تغني له هو/هي فقط! كبيرة ومهيبة وقوية في تعبيراتها، حتى في عز خنوعها، وهالة أسطورية لا تُقارن بمعاصريها. هن كن مطربات، وهي كانت «الست».

ولهذا الوهج الذي لم يخبُ حتى بعد وفاتها بخمسين عاماً، تُظهر كل مادة وثائقية أو درامية أجزاء من السيرة التي حفظها محبوها، منذ قرية طماي الزهايرة التابعة لمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية في مصر، ومنذ كان اسمها فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي، رفقة والدها الشيخ وشقيقها خالد، وقرأ أو شاهد أغلب محبيها هذا السرد حتى الصعود، ولعل أشهرها مسلسل الفنانة صابرين في نهاية التسعينيات، والذي جوبه أيضاً بحملة من الرفض، سرعان ما تبدلت بعد عرضه؛ ذلك أن المسلسل المذكور، ذا الحلقات المتعددة، قد صوّر السيدة أم كلثوم بشكل مثالي أكثر مما ينبغي، وهذا يرضي أي مُحب؛ لكنه غير منطقي، وبالتالي غير حقيقي، ويطرح سؤالا مفاده: ما الجدوى من عرض الجانب السلوكي السلبي في شخصية عامة؟ وهل يعتبر ذلك انتهاكا لخصوصيته؟

يبدأ الحدث المهيب في فيلم «الست» بحفلتها على مسرح «الأولمبيا»؛ كل التفاصيل المتعلقة بتحضيرات الحفل الذي جمع معجبيها من أقطاب الأرض –وكنت أظنهم من العرب فقط–، ولمسات المكياج والشعر، وحركة يديها القلقتين في المنديل الأيقوني الذي صار جزءاً من هيئتها الخارجية، ويتبدد كل هذا حين حاول مدير المسرح توجيهها إلى كون الحفلة فنية، لا دخل للسياسة فيها، حتى ترمقه بنظرة حادة، ثم تعطي أوامرها بصرامة: «خلّ العيال تلمّ الآلات!». وهذا يعني خراباً كبيراً للحفلة التي بيعت تذاكرها قبلها بشهور؛ لتستعد للظهور بعدها في إشارة إلى انتصار رأيها على توجيهات ليست بمكانها. فهذه الحفلة كان ريعها بالكامل للمجهود العربي لمصر التي خرجت للتو من هزيمة 1967، واستكمالاً للشعار الذي أطلقته الإذاعة المصرية في ذات السنة «أم كلثوم معكم في المعركة»، والذي جاء بتوثيق دقيق في كتاب «أم كلثوم والمجهود الحربي» لمؤلفه كريم جمال، لكل ما قامت به الست من أجل نصرة بلدها، وجمع التبرعات التي قُدرت بمليارات.


تقف أم كلثوم في مواجهة الجمهور الذي لم يتوقف عن تحيتها، حتى بعد جلوسها على كرسيها المعتاد، ثم اضطرت للوقوف مرة أخرى، ولم تتوقف التحية الحارة بعد، حتى اضطرت إلى الإشارة لفرقتها بالبدء، وفي هذا الجمع الغفير كانت الست تبحث عن الشيخ البلتاجي؛ والدها الذي اكتشف موهبتها وسعى لتنميتها؛ والدها الذي غادرها جسداً منذ زمن، وكانت تتخيله حتى تسكنها الطمأنينة.

ركّز الفيلم على تفكيك شخصيتها عبر بنيتها الاجتماعية الأولى، ضمن مفهوم بيير بورديو «الهابيتوس» Habitus في علم الاجتماع؛ أي البنية الذهنية المتشكلة بفعل البيئة والطبقة والخبرة المبكرة، التي تحدد سلوك الفرد تجاه نفسه والآخرين من حوله. الفتاة الصغيرة التي اكتشف والدها المنشد جمال صوتها، فاصطحبها مع شقيقها إلى المناسبات التي يُدعوْن لإحيائها في هيئة ذكورية: ثوب واسع، وعقال يغطي شعرها وملامح الأنوثة غير المقبولة في المجتمعات الريفية، والمعطيات هنا: تكوين ريفي صارم، والتزام بتعليمات الأب تماماً، وتدريب صوتها وتحسين مخارج حروفها، بالإضافة إلى صوت هبة ربانية أعجب كل من سمعه، أسس هذا الكدح المبكر عند الفتاة شديدة الذكاء، أسساً لوعي دفاعي صارم، جعل من الوظيفة سلوكاً وظيفياً لا صفة أخلاقية. هذا ما قاد إلى المشهد الذي كانت تتفاوض فيه بقوة على النسب والأرباح من بيع اسطوانتها. هذا الذكاء ليس فطرياً وحسب، ولا تهميشاً أو تنكُّراً عاطفياً لوالدها أو شقيقها، بل هو ردة فعل لبساطة الخلفية التي قدموا منها جميعاً، لكنها تجاوزتها حتى استوعبت قدرتها على تحويل الفن إلى صناعة، وهو أمر يضيف لها، ولا يعيبها، حتى لو تطلّب الأمر بعض الحزم.


لا يوجد في الفيلم ما يدل على «بخل» أم كلثوم على الإطلاق. هذه الفتاة التي يُسحب من يدها «القرش» وهي نائمة حتى يُصرف على العائلة، لم يكن فعلاً غير أخلاقي. فالشيخ البلتاجي كان يعمل وخالد معها، لسداد كفاف حاجات الحياة اليومية، حتى وإن كان الاعتماد الأكبر على إمكانيات صوتها المبهر، بل انعكس عليها هذا لاحقاً حين سعت لإدارة الأمور بنفسها؛ حيث تُفهم علاقة الفرد بالمال ضمن منظومة قيم مرتبطة بالحماية والاستقلال، لا بالبذخ، وإدارة أم كلثوم الصارمة لأموالها تكشف وعياً حداثياً في مقابل ارتباك الأب والأخ، اللذين بقيا أسرى عقلية ما قبل النجومية. لذا تظل مسافة كبيرة بين البخل وحسن الإدارة، خاصة في تعاطي الست مع فرقتها التي تتولى توجيه ضبط هندامهم، وأماكن جلوسهم، وتدعمهم مالياً، عدا مشاركتها المعروفة في المشاريع الخيرية.

والانتقادات التي طالت هذا العمل تظل منطقية، لاعتبارات تخص الصورة الأيقونية التي يرغب محبوها أن تكون عليها، لكن سيشمل هذا المقاطعين الذين لم يشاهدوه، والذين يبنون وجهات نظرهم على آخرين حانقين على العمل، ويسهل اكتشاف هذا من خلال ملاحظات مكررة بذاتها، وإظهار صور غير حقيقية وقبيحة للممثلة، بهيئة سيئة جداً وفي يدها كأس شراب، باعتبار أن أم كلثوم قد ظهرت وهي تدخن في العمل، إمعاناً في ضم هذا الشكل ضمن نظرية المؤامرة لتجريد الشخصية/الرمز من مكانتها لدى جماهيرها! وهل يمكن لعاقل يقدّر الفن أن يعتبر أولاً أن الفيلم وثيقة لا تقبل الرفض أو المناقشة؟ كل ملاحظة سمعتها أو قرأتها –وهي كثيرة جداً– تحتمل أكثر من رؤية حسب تعاطي المتلقي، وإلا ما سبب هذا الانقسام الذي نعرف معه أن آخرين ظهروا منتشين من فيلم «الست» التي شاهدوا فيها لحظات إنسانية بحتة، مثل الشعور بالوحدة والمرض، أو رؤية شعرها المتساقط على الوسادة، مثل أي كائن حي على وجه البسيطة؟ ما الضير أن يدق قلبها أكثر من مرة لأشخاص يراهم محبو الست من مكان مختلف عنها وعن مكانتها في قلوبهم؟

وحتى في ما يتعلق بالشبه الشكلي بين منى زكي وأم كلثوم، فقد خضعت المسألة إلى منطق الصورة الثابتة، بينما يشتغل الفيلم على الأداء بوصفه فعل ابتكار، يعيد تركيب الشخصية داخل سياق جديد، وسواء كان بسبب عدم القبول المبدئي للممثلة أم لا، والتي اجتهدت كما ينبغي، تحتاج مسألة التصديق بالمكياج أو غيره إلى الرؤية بحياد هادئ ومستقل. وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذله المكياج لتقريب الملامح، بقيت لقطات الـــclose up مساحة اختبار قاسية لذاكرة بصرية جمعية ترفض الفارق، وتستحضر الفرق من الأصل، متناسين أن الأداء لا يقوم من زاوية الشبه، بل من زاوية القدرة على إعادة إنتاج المعنى، ولنا في الممثل القدير أحمد زكي خير مثال في أدائه للسيَر.


قدم الفيلم أيضاً صورة جمالية باهية جداً في الصورة والموسيقى الثرية المواكبة والمصاحبة للحدث على شكل تنويعات مختارة، وليس لارتباط صناعها بالحدث الدائر على الشاشة، جاءت بوصفها خطاباً نفسياً يتجاوز المصاحبة العاطفية؛ إذ تعمل موسيقى هشام نزيه على إعادة توجيه الصورة وتأطيرها نفسياً، كما في رمزية «أعطني حريتي أطلق يديّ» في مشهد مواجهتها الحازمة لوالدها، كأنَّ شخصية جديدة خُلقت بعد هذا الموقف.


الهجوم هو تحيّز مسبق لمكانة الرمز، وهذا حق لكل محبي الست من الخليج إلى المحيط، في الحفاظ على صورتها كما يعرفها الجميع. ولا يعيبها أن العائلة الفقيرة استغلت هذا مبكراً؛ فبدونها كان الأب والأخ يعملان. ولا يعيبها إظهار حرصها على الإدارة؛ فلو شعرت أن هناك من يدير كما يجب لما كانت لتتدخل. ولا يعيبها اختيار شريكها الذي تشير قراءات هذا الاختيار أنها كانت تتجه في ثلاثتهم إلى القوة الشبيهة بها: قوة السلطة/ قوة الجسد/ واستمرار هذه القوة مع طبيبها/ شريكها الدكتور الحفناوي، بينما رفضُها الزواج من شركاء نجاحها لم يكن لكونها ملهمتهم، بقدر ما هو لضعفهم العاطفي أمامها –كما أراه شخصياً–. فشخصية في تكوين الست لا يمكن أن تميل إلى شخص إلا لشريك أقوى، تشعر معه بالضعف، وهكذا يكون هناك توازن نفسي داخل العلاقة.


لا ينتهي الحديث عن أم كلثوم بوصفها أيقونة عربية، تعدّى وصفها أن تكون مطربة عظيمة، قدمت روائع خالدة لا تزال تُقرأ بأوجه مختلفة، حتى بعد مرور نصف قرن على رحيلها، ولا كونها بشراً يمر بكل الحالات الإنسانية في الخوف من فقدان صوتها فجأة، أو التعثر في مرض يقعدها، أو حتى تغير السياسة أو الذوق العام. فيلم «الست» أضاف جانباً بشرياً إلى حياة أم كلثوم، لا ينتقص منها، ولا يطعن في سيرتها لو قُرئ في سياق غير الذي اتفقت عليه أطراف بتعدد أغراضها. لكن مَن يمنع محبي الست عن استمرار محبتها وتقدير فنها الخالد؟

1 تعليق

Comments are closed.