حول ” مِنفَضة” سميح القاسم

0
112

في عام 1969 نشر الشاعر سميح القاسم نصاً جميلاً بعنوان “من مفكرتي”، ضَمّنهُ مشاهد ومواقف يومية متنوعة عاشها في حيفا آنذاك. كان في مطلع الثلاثين من عمره حين كتب ذلك النص، وقد اختار تسجيل وقائع إحدى وثلاثين يوماً عاشها على شكل حكايات قصيرة، جسّدت جوانب من تحديات المعيشة تحت الاحتلال الاسرائيلي، وكيف تعامل سميح معها. حين كتبها لم يتبع التسلسل الزمني في سردها، بل حسب قوله: “مارستُ فوضاي الزمنية والذهنية على هواي، طارحاً من جسدي وروحي معاً، قوالب الوقت والانضباط”.

على الرغم من ذلك الارتجال، إلا أن القارئ سيلاحظ أنّ وراء كل حكاية عِبرة، وجانباً مهماً من شخصية سميح القاسم، الشاعر والمثقف والمناضل. نقف على سبيل المثال على حكاية اليوم الثاني المعنونة “لم نستأجر المنزل”، وفيها تفاصيل سعيه مع محمود درويش للبحث عن شقةٍ تأويهما في تلك المدينة. حين دخلوا إحدى الشقق المعروضة للإيجار، دبّ الحماس في صاحب المنزل حين علِمَ بأن سميح من الطائفة الدرزية وهتف: “ما دام الأمر كذلك فإنني سأخصم لك عشر ليرات من الأجرة.” وصف سميح ردة فعله: “صعد الدم الى رأسي حاراً مضطرباً. لم أتلق في حياتي اهانات كثيرة من هذا الطراز، فنهضت منصرفاً، ولم نستأجر ذلك المنزل. “الدلالة واضحة من الحكاية: سميح لا يقبل بأن يجعل من أحد عناصر هويته مادة مساومة في صفقة تجارية.

 في حكاية اليوم الخامس نقرأ حكاية التحقيق معه من قبل أحد ضباط الشرطة الاسرائيليين الذي صرخ في وجهه غاضباً وهو يضرب بقبضته الطاولة: “أنا أكرهك وأنت تكرهني، أليس كذلك؟” فأجابه سميح ببرود أعصاب: “أعرف أنك تكرهني، وليكن ذلك هنيئاً مريئاً عليك. أما أنا فلا أكرهك لكنني لا أوافق عليك.”  سميح رفض أن يتم استفزازه – أو استدراجه إلى فخٍ قانوني- كما أنه في نفس الوقت لا يشخصن عداوته.

 في اليوم الحادي عشر يحكي عن أنّ أحد المعتقلين معه طلب منه قراءة بعضٍ من قصائده فقرأ له مقطع من قصيدة “خاتمة النقاش مع سجان” التي يقول فيها: “من كوّة زنزانتي الصغرى، أُبصُرُ أشجاراً تبْسمُ لي، وسطوحاً يملأها أهلي…من كوةِ زنزانتي الصغرى، أُبصرُ زنزانتك الكبرى!.” بهذا المقطع الشعري استطاع رفع معنويات رفيقه، وإلهامه عبر تغيير منظور رؤيته للواقع.

في اليوم الحادي والثلاثين كتب ما يلي: “لا أعلم إذا كان الشهر الأخير ثلاثين يوماً أو واحد وثلاثين يوماً، لكنني أعلم جيداً أنني راغب في الحياة. راغب فيها حتى اليوم الثاني والثلاثين من الشهر!”. بداخل سميح شعلة متقدة من حبّ الحياة، لم تتمكن انكسارات الصحة الجسدية أو النفسية من إطفائها، حتى في أصعب الظروف.

في أواخر 2002 تعرّض سميح القاسم الى حادث كاد يودي بحياته. “كان حادثاً صعباً تحطمت قدمي اليمنى، وكتفي اليسرى ودخلت غيبوبة يقول الأطباء لعدة ساعات. متُ لتسع ساعات.” حسب ما أفاد به في إحدى مقابلاته، وأضاف: “كان الحادث بيني وبين شاب في الثامنة عشرة من عمره، يقود سيارته مسرعاً. بقيتُ سنتين متواصلتين في علاج.. طبعا دخل الحادث لبعض القصائد القليلة جداً، ولكني لا أحبّ تضخيم الأمور، إذ تعاملت معه بشيء من العنفوان والسخرية.”

ولكن هل اقتصر تعامل سميح مع الحادث على “شيء من العنفوان والسخرية” فقط؟ ما يمكن معرفته الآن أن سميح بدأ على ما يبدو خلال فترة علاجه من ذلك الحادث المشؤوم بكتابة سيرته الذاتية في ستة دفاتر مستخدما قلم الحبر الأسود السائل “الذي لا أحبّ الكتابة بسواه” حسب قوله. على الأرجح أن تجربة الاقتراب الشديد من الموت، قد دفعته للتأمل في تلك “العناوين والمحطات والصور والومضات” المكوّنة لمسيرة حياته الحافلة بالأحداث والدروس.أنهى الجزء الأول من السيرة في ستة دفاتر في اكتوبر 2004، ثم واصل الكتابة لينهي نصه في 2006، وبعدها بأربع سنوات، وحين كان العالم العربي مشغولاً بأحداث ما عُرف بالربيع العربي في 2011، وَقّع سميح القاسم كتابه/ سيرته الذاتية “إنها مجرد منفضة” الصادر في طبعته الأولى (واليتيمة) عن “دار راية للنشر” في حيفا (407 صفحة).

 قبل أن نستعرض كنز الحكايات التي تضمّنها الكتاب، تستوقفنا للوهلة الأولى ثلاثة أمور: عنوان الكتاب، الإهداء، الاستهلال. لماذا اختار سميح القاسم تعبير “المنفضة” عنواناً لسيرته الذاتية؟  صحيح أنّه كان مُدخناً مدمناً على السجائر، وذا شخصية مرحة وساخرة، إلا أن تعبير “المنفضة” في العنوان جاد للغاية، ويعكس رؤية سميح للحياة والكون، وقد ورد ذكره في أكثر من فقرة بالكتاب، منها: “إنها مجرد منفضة. لطالما سجيت فيها رماد جسدي وغبطتي، قميصي ومحنتي، ناري وجنتي” (ص11)، “وما الجسد إلا منفضة لرماد الشعر.. وما نار الشعر إلا منفضة لرماد نار الحقيقة.. وما الحياة الدنيا إلا منفضة لرماد نار الجسد” (ص 170) “إنك توثق لشيء من رماد الجسد ورماد التجربة، تناثر، ويا طالما تناثر في منفضة الحياة الدنيا!” (ص 278)، “ماذا ظننت دُنياك أيّها الإنسان الذي أراد أن يكون شاعراً وأيّها الشاعر الذي أراد أن يكون إنساناً؟ ماذا ظننت؟ هل فاتك أن دُنياك ليست سوى منفضة؟” (ص 268)

أهدى سميح القاسم الكتاب الى والده “محمد”، ولكن المثير أنه ذكر أسماء جميع أجداده حتى الجد السابع عشر: خير بن محمد بن الحسين، وهو الجد الأول في فلسطين، والذي تقول أوراق العائلة إنّه كان من فرسان الموحدين، الذين أبلوا بلاءً حسناً تحت قيادة صلاح الدين، لا سيما في الموقعة الكبرى، موقعة حطّين. سميح لا يهدي كتابه للأجيال القادمة، بل لأجداده الراحلين، وهو انعكاس لمشاعر الاعتزاز التي يكِنّها تجاه عائلته، خاصة للمكانة الكبيرة التي يحتلها والده في قلبه.

هناك حادثة ذات دلالة عميقة ذكرها في الكتاب عن دور أبيه وشجاعته في إنقاذ حياته، ولكنها تحمل أيضاً معان أخرى: “كنت أنت قد ولدت في بلدة الزرقاء في العام 1939، حيث كان والدك ضابطاً في قوة حدود شرق الأردن.. وحين عادت بك الأسرة إلى “الرامة” في غمرة الحرب العالمية الثانية (كان عمر سميح، يومها، أربعة أعوام) في قطار مكتظّ بالركاب وكان التعتيم مفروضاً خوفاً من غارة قد تشنها الطائرات الألمانية. حزنت كثيراً حين رووا لك أنك بكيت لسببٍ ما، فأصيب بعض الركاب بالهلع: أسكِتوا هذا الطفل فقد تسمع صوته طائرات الألمان وتقصفنا. أسكتوه. ولم يسكت ذلك الطفل المزعج الذي كنتَهُ، فَهَمَّ أحدُهُم بقتلكَ وما كان من والدك إلا أن يستل مسدسه ليحميك مستنكراً: يا حمقى، يا جَهَلة، يا بهائم، أتخشونَ أن يسمع الطيارون الألمان صوت بكاء طفل، ولا تخشون أن يسمعوا هديرَ قطار بحاله؟!.”

 استحضر سميح القاسم تلك الحكاية وكتب معلقاً: “أحزنتك هذه القصة كثيراً، ودفعتك إلى مزيد من التشبث بحقك في الكلام وإبداء الرأي الحر كما تشاء، لكنها في الوقت نفسه شحنتك بالحزن على هؤلاء الناس البسطاء الذين حوّلهم الجهل والتخلف إلى كائنات ضعيفة مرعوبة جبانة بالغة الهشاشة وقابلية الانكسار والانكفاء.”(ص 39)

 لطالما كان اعتزاز سميح القاسم بشجرة عائلته مصدر إشاعات مغرضة مسمومة استهدفت تشويه سمعته واتهامه بالتعصب العائلي والطائفي (انتمائه لطائفة الدروز). إلا أن قراءة سيرته الذاتية تكشف فهماً إنسانيا ذا جوهر روحاني لسميح تجاه مكونات هويته المتعددة. كتب يقول: “تتذكر محاولات استفزازك هنا وهناك على خلفيات لشدّ ما تمقتها، كالخلفية العائلية والطائفية والإقليمية والفكرية. ثمّة من يناصبوك العداء لا لسبب سوى انتمائك للعائلة التي أراد الله لك أن تولد فيها. تقول لهم: من حقكم أن تحاربوا العائلية لكن ليسَ من حقَّكم أن تُحاربوا العائلات.. مِن الطبيعي أن تحبوا عائلاتكم إذا شئتم لكن ليس من الطبيعي أن تكرهوا العائلات الأخرى. لا تناقض بين أن تحبّوا عائلاتكم وعشائركم وقبائلكم وطوائفكم وشعوبكم، وأن تحبوا العائلات والعشائر والقبائل والطوائف والشعوب الأخرى.. وتذكرهم كثيراً بقول الله: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” … ويختار بعض شانئيك الانقضاض عليك من حيث مولدك في الطائفة” الدرزية”.. بالطبع فإنك لا “تعتذر”، بل تؤكد اعتزازك بمولدك في أية عائلة كانت، في أي طائفة كانت وبأي لون كان وفي أيَّ عِرقٍ كان، لأنك تجاوزت كل هذه الأمور منذ طفولتك المبكرة…” (ص 114 – 115). لم يكن سميح عابراً للهويات، بل مع الاعتراف بالهويات جميعاً، لأن في مجموعها، ووحدة تنوعها، تتشكل إنسانيته كما يتضح في أكثر من موقع بالكتاب.

نقرأ في العنوان الفرعي للكتاب: “سيرة الجزء قبل الأخير”. هل هو تلميح بأن الأخير سيكون الموت؟  ترك سميح الباب مفتوحاً حول طبيعة “الجزء الأخير” من سيرة حياته: “فما هذا الذي بين يديك سوى الجزء قبل الأخير، إذن فهناك جزء أخير قادم. متى؟ لا تدري! كيف؟ لا تدري! تكتبه أنت؟ لا تدري! يكتبه الآخرون؟ لا تدري. كل ما تدريه هو أن هناك جزءاً أخيراً. هذا هو المنطق. هذه هي طبيعة الأشياء. إنما يظل إنجاز ذلك الجزء الأخير ممكناً مفتوحاً على كل الاحتمالات المفترضة. وكونه الجزء الأخير لا يعني مطلقاً أنه الجزء الأقل أهمية، أو الأكثر أهمية. سيكون استكمالاً للمنقوص وتوضيحاً للغامض، بمثل ما قد يكون انتقاصاً من الكامل أو تعتيماً على الواضح.”  (ص324)

في صفحة الاستهلال: نقرأ استدراك من سميح القاسم: “ليست سيرة ذاتية، هي محاولة لترميم صور من الذاكرة، صور قديمة، بالأبيض والأسود…” صور الأبيض والأسود توحي بالاقتضاب والإيجاز على عكس الصور الملونة ذات التفاصيل اللونية المتنوعة. صور الأبيض والأسود تناسب القلم الصحفي، الملونة يهواها الروائي، في حين أنّ الشعراء غالباً ما يلجؤون للوحات التشكيلية التي تختلط فيها الحقيقة بالخيال الشعري (محمود درويش نموذجاً).

 سميح شاعر، ولكنه في سيرته الذاتية هذه توخى أقصى درجات الوضوح والبساطة في التعبير، بحيث لم يترك أي مجال لسوء الفهم أو التأويل سواء لدى القارئ العادي أو الناقد المحترف. ما سنقرأه في ثنايا صفحات الكتاب والصور الملحقة به هو كنز من الحكايات الصغيرة الممتعة بتفاصيلها، والغنية بمعانيها السياسية والأخلاقية.