من يقرأ الإصدار الجديد للباحثين محمد عبد الرزاق القشعمي وعبد اللطيف حبيب العبد اللطيف الذي صدر عن دار الانتشارالعربي، ونحن نوشك على نهاية عام 2025 سيتعرف بشكل كبير من هي الفنانة منيرة الموصلي (1954-2019) وكيف كانت تتعاطى مع موهبتها الفنية ومحيطها الإنساني وقضايا عالمها العربي، وحوارها الدائم الذي لم ينقطع مع أدواتها الفنية، وأفكارها وموادها الخام، وأصدقائها الذين كانت تحرص أن يكونوا مختلفين عنها، ليس بالأفكار ولكن بوسائل التعبير، فقد ارتبطت بصداقات مع مثقفين وكتّاب من الجنسين، لذلك لم تقف ريشتها ولم تمت أفكارها الإبداعية، وكانت نموذجاً لفنانات عصرها، بانفتاحها الثقافي وباختيارها لعناوين معارضها الفنية التي تلامس همومها وهموم مجتمعها، وكأنّها صدى لكلمات قالها الشاعر والصحفي البحريني صاحب جريدة البحرين (1944-1939)، عبدالله الزائد (1954-1899)، قيلت قبل ستة وثمانين سنة، إذ يقول: “لن يكون لها قلب ينبض بغير حبّ العروبة والوطن فإن عاشت فلهما، وان ماتت ففي سبيلهما”، ويقصد بهذا الكلام جريدة البحرين.
شارك في الكتاب واحد وعشرون كاتباً من الجنسين، كما تضمّن أخباراً صحفية، بعنوان: (عاشقة فلسطين) وهو نفسه عنوان الكتاب.
تكريماً لفنانتنا الراحلة كانت افتتاحية الكتاب بقلم الأستاذ الكبير محمد العلي بعنوان (شعرية الألوان)، إذ يقول: (اللوحة ليست مجرد إطار وأبعاد وفرشاة وألوان. إنها عالم خاص تجد منيرة نفسها فيه فارضاً ألوانه وأشكاله وتكتيكه وحدوده. وتفيض هي عليه من الأماكن والعناصر والمشاعر الكامنة. واللاوعي عند منيرة ليس هو الذي يتحكم في دفع الفنان إلى حقل الإبداع بصورة تلقائية .. بل هي التي حافظت على تغذيته الدائمة من خلال استحضاره وتحفيزه.).
إنها قراءة نقدية لشخصية منيرة وشخصية الفنان، تدّل على أنها لم تتوقف يوماً عن المعرفة، لذلك تألقت فنياً وأصبح لأسمها صيت محلي وعربي وعالمي. كلمات لم تقل مجاملةٍ، فمن يعرف الأستاذ يعلم أنهُ لا ينطق بأي حرف ليس في مكانه الصحيح.
وبعد كلمة الأستاذ تبدأ فصول الكتاب :
1- سيرة ومسيرة: سيرة ذاتية للفنانة
2- الإهداء والتقديم .
يقول الإهداء: (ياعاشقة فلسطين .. من روحك الطاهرة .. إلى شهداء غزة الأطفال .. نهدي هذا العمل المتواضع).
كتب الباحث الكبير محمد القشعمي مقدمة للكتاب بعنوان: “التشكيلية منيرة الموصلي .. فنانة الألم الإنساني”، استعرض فيها ما قيل عنها، ومن أشهر ما كتبه الأستاذ محمد حسن عواد بجريدة “عكاظ” مبديا إعجابه، حيث قال: (أما الفنانتان منيرة موصلي وصفية بن زقر فقد دللتا- من جديد- وعطفا على ما سبق أن دلل عليه قبلها فتيات من الجنس العطوف، على صدق الوثبة الفكرية الحضارية التي تضطلع بها المرأة في هذا العهد، وعلى هذا فإن المرأة قد فرضت وجودها وأثبتت فعلاً أنها تملك من القوة الروحية والتفوق الآدمي قدراً كبيراً ينفي عنها تهمة التراخي والضعف أمام التطور الصاعد). هنا يمارس أبو يعرب دور الباحث الحقيقي، إذ يضعنا أمام المادة ويترك لنا حرية التصرف بها.
3 – حياة مفعمة بالعطاء
4 – ما بعد الرحيل.
5 – بقايا صور
نبدأ بما قالته هي عن نفسها وما قيل عنها ومن خلال تلك الأقوال يقترب القارئ من عالمها ويفهمها أكثر ويقدّر مكانتها الإنسانية والفنية والثقافية، ويدرك حجم تلك الصداقات التي تجاوزت عالمها التشكيلي إلى عالم أوسع منه. ولنقرأ معاً أحد أقوالها المشهورة: (الإيقاف عن التدريس كالإيقاف عن الكتابة أو رسم أو نحت أوسواها من أشكال التعبير، هوغيمة تظهر ولا تلبث أن تبددها شمس الحقيقة عندما يكون التعبير حق إنساني صغير عن حب المعرفة وحب الحياة وعشق النهوض بالأوطان).
نطقت بتلك الكلمات وهي في سن الثالثة والثلاثين، بعد إيقاف صديقتها ،د. فوزية أبوخالد عن العمل كمحاضرة بالجامعة عام 1987. وهذا يدل على وعيها المبكر ووفائها لمعنى الصداقة.
وكتبت د. مها السنان: (موصلي لم تكن يوماً تقليدية في طرحها فكان التجريب ديدنها في الموضوع والخامة، ولم تترك مجالاً أو باباً للرؤية الفنية لم تتطرق له، حيث تقوم بدراسة موضوع والبحث فيه وإنتاج الأعمال حسب ما توصلت إلبه من نتائج لذلك البحث، ثم أضافت له من فكرها الابتكاري في الموضوع وأسلوب الطرح، بل نستطيع القول إنها تمردت على المجتمع من أجل قيمة نوعية للفن التشكيلي المحلي، وأضافت لذلك دراسة أكاديمية شكلت قاعدة تنطلق منها لتجاربها التشكيلية.)
وللدكتورة فوزية ثلاث شهادات مميزة وجميلة، تبين فيها ما تتمتع به منيرة الموصلي من صفات إنسانية وفنية عالية وحب غير محدود للعطاء، وتبين في إحداها مدى اتساع علاقات منيرة بالوسط الثقافي، مشيرة إلى حضورها معرضها الفني في جدة، وتعدد أسماء بعض من حضروا، الشاعر الراحل علي الدميني، الشاعر أحمد الملا، القاصة فوزية العيوني، الأديب إبراهيم الحميد، الروائي سعد الدوسري، الراحل عبد العزيز المشري، وأخوه أحمد المشري، الشاعر عبد الله الخشرمي، الشاعر الراحل أحمد عايل فقيهي، الصحفي مصطفى إدريس، بصحبة شقيقته الخنساء.
الفنان التشكيلي الكبير عبد الرحمن السليمان الذي رافق موصلي منذ زمن طويل، قال: (عرفت منيرة منذ 1979 وترافقنا في معرض أصدقاء الفن التشكيلي الخليجي من 1985، فمثلت المملكة بصورة المرأة الفنانة المثقفة الواعية والجادة، كانت ملفته بثقافتها وثقتها ومستوى أعمالها، فكتب عنها كثيرون من العرب والأجانب، إضافة إلى السعوديين، وكونت علاقات مع المثقفين والأدباء والفنانين، كانت حريصة في مشاركاتها وعموم حياتها على ادق التفاصيل، منيرة فنانة هامة ريادتها الفنية حقيقية وأسمها يعني المرأة السعودية في حداثتها ورقيها وأصالتها كما في مستواها الفني المثقف، كانت حالة خاصة ومختلفة.)
في الكتاب أيضاً يعترف الروائي عبد الله العبد المحسن لأول مرة من خلال شهادته عنها تحت عنوان (منيرة موصلي .. استلهام الينبوع) أنها كانت بطلة لروايتيه (السواق) و(من أغوى شريفة)، نورة في (السوّاق) وحصة في (من أغوى شريفة.)
حوى الكتاب أيضاً شهادات لكلّ من صالح أبراهيم الصويان، بدرية علي، إبراهيم شريف.
لو تمّ ترتيب الفصول بشكل علمي لما ضاعت ملامح الكتاب. ولم نفقد قصيدة الشاعر الراحل علي الدميني “منيرة الموصلي – صورة أولى” إذ يقول: (لم تكن تعرفني حتى تراني/ لم أكن أعرفها حتى أراها/ غير الظن قد كان قريناً للهوى النابت في القلب/ لأطياف الوطن.)
هي قصيدة ولكنها بمثابة شهادة ضاعت بعشوائية الترتيب، بين مقال الأستاذ محمد العلي وسيرة
الفنانة، وكذلك مقالات فاروق يوسف، ومقالتين للدكتورة مها السنان، التي كانت قراءات نقدية وليست شهادات، ما عدا مقال واحد لفاروق يوسف بعنوان “الموت هو الخطأ” هو بمثابة شهادة أو تأبين، أقول هذا وأنا مدرك أن الكتاب سوف يطبع طبعة ثانية ولكن لكي لا نقع بنفس الخطأ، فمهما بلغت قيمة المادة العلمية الموجودة بالكتاب تفقد جزءاً كبيراً من قراءها بسبب العشوائية.


