يبدو ان قضية البطالة في صفوف الأطباء ستستمر معنا لفترة ليست بالقصيرة هنا في البحرين، هذه القضية المؤرقة فعلا للخرجين من مختلف كليات الطب سواء المحلية او الخارجية، ومن مختلف الدول، دون استثناء، هي قضية طالما طرحناها مرارا داخل نقاشات مجلس النواب وضمن اسئلة نيابية وفي مسائلات لجان التحقيق التي شكلت على مدى اكثر من فصل تشريعي ولم تتوقف حتى اللحظة، محاولين فيها البحث عن أسباب ومسببات كل هذا الإهمال وعدم الجدية التي لازمت مسألة تشغيل الأطباء بمختلف تفرعات الطب دون مبررات موضوعية، رغم علمنا أنها تأتي ضمن معضلة البطالة الهيكلية بشكلها الأعم، التي أضحت تعاني منها معظم القطاعات الاقتصادية الأخرى، حيث تغيب الحلول كما تغيب الخطط والبرامج المستدامة لمتابعة ملف البطالة الذي هو بالفعل الملف رقم واحد في البحرين، والذي يمثل قلقا حقيقيا على مستوى الشارع البحريني، ولا نعرف متى ستقتنع الجهات المعنية بسوق العمل لدينا هنا في البحرين بالمباشرة في تفعيل المقترحات والحلول التي كثيرا ما قدمها مجلس النواب.
هذا الملف يبقى مؤرقا لكل الخريجين وأسرهم دون استثناء، نظرا لعدة اعتبارات وعقبات لا يمكن إغفالها وفي مقدمتها عدم وجود رؤية واضحة تجاه حله بصورة واضحة ونهائية، رغم كل الجهود والوعود الرسمية، وحتى حسن النوايا وصدقها التي نستشعرها احيانا كثيرة لدى المعنيين عن هذا الملف، خاصة لدى وزارة الصحة والمستشفيات الحكومية.
من بين تلك العقبات التي تؤخر مباشرة حلحلة هذا الملف هو عدم وجود توجه رسمي واضح يقبل بمنطق ان ما يقدم للعاطلين بشكل عام في البحرين من برامج وتوجهات لا يعدو كونه اجتزاء لمسألة اعقد بكثير مما تتخيله الجهات الرسمية، فالمسألة هنا لا يمكن ان نحقق فيها اختراقا حقيقيا طالما ظلت الأبواب مشرعة أمام استقطاب أطباء من الخارج، ليسوا بالضرورة من الكفاءات او حتى من حملة الشهادات الموثوقة، دون حسيب او رقيب لمؤسسات القطاع الخاص من مستشفيات خاصة وشركات، وقبل ذلك دون ضبط وارادة صارمة داخل جميع المستشفيات الحكومية ذاتها، التي بات عليها ان تقدم النموذج والمثال الفاعل لاستقطاب الأطباء والكفاءات البحرينية وان لا تكتفي بشح الميزانيات وقلة الموارد التي يذهب معظمها لتسديد امتيازات الأجانب واجورهم!!
باعتقادي ملف تشغيل الأطباء يمكن حله دون ابطاء كما فعلنا معا نحن كمجلس نواب بالتكامل مع الحكومة ازاء تشغيل واستقطاب الممرضين والفنيين البحرينيين، على الرغم من وجود مكامن خلل واضحة في حلحلة ملف الممرضين والفنيين هذا، خاصة بالنسبة للمستشفيات والمراكز الطبية الخاصة، التي هي مؤسسات ربحية بالأساس وتستفيد من التسهيلات المقدمة لها من قبل الدولة دون ان تقدم الحد الأدنى من مساعدة الدولة على الأقل في استيعاب أعداد اكبر من الممرضين والفنيين البحرينيين خاصة من خريجي كلية العلوم الصحية التي مضى على إنشاءها اكثر من أربعين عاما!
لذلك لا يمكن القبول بأن يبقى ملف توظيف الأطباء مراوحا لسنوات دون حلول في انتظار المجهول، او ترك هذا الملف كما يقال دائما لأليات السوق وفتح الأسواق ومسألة العرض والطلب، حيث ان امتهان مهنة كالطب يحتاج كما يعلم الجميع إلى ممارسة المهنة دون انقطاع طويل، فهؤلاء الشباب والشابات البحرينيين هم في الغالب من المتفوقين في دراستهم العلمية واجتهدوا كثيرا لبلوغ طموحاتهم وطموحات أسرهم، التي بذلت الغالي والرخيص لضمان مستقبل افضل لهم وايضاً من اجل الإسهام في تطور المجتمع بالاعتماد على سواعد أبناءه، الذين من المخجل وغير المقبول ان يبقون متسولين للعمل والوظيفة، حتى ان الكثير منهم يقبل مرغماً على العمل دون أجر أو امتيازات مثل بقية زملائهم الذين وجدوا فرصهم في ظل هذا الأجواء غير المواتية لأهمية ومغزى وجود الطبيب المواطن، فيما يقبل الكثير منهم بعناء التدريب وقضاء سنوات الامتياز خارج بلادهم، وحتى من يتدرب منهم في البحرين يبقى معلقا بأمل ضمان حق التوظيف بعد انتهاء فترة التدريب التي تمتد لأربع سنوات.
يحتاج ملف البطالة في صفوف الأطباء إلى أكثر من الكلام المنمق بشأنه والعناوين البراقة، يحتاج إلى قرارات حاسمة وإرادة حقيقية، لا تقبل ان يبقى الطبيب البحريني عاطلا دون عمل او ان يبقى عالة على أسرته وأهله ووطنه، يأكله الخذلان ويقتله الفراغ وحالات الاكتئاب وضياع الأمل، ما يتطلب وقفة جادة من قبل الحكومة والمجتمع للشروع في احترام كرامة ابناء الوطن وإدماجهم في برامج وورش تدريب وتوظيفهم حيث يجب ان يكونوا لخدمة الوطن وازدهاره.


