إن التوغل العسكري الأمريكي في فنزويلا، واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، يكشفان مرة أخرى اعتماد واشنطن على القوة الأحادية لغرض نتائج خارج حدودها، كما أن هذا العدوان، كما يقول تقرير لوكالة الأنباء الصينية “شينخوا”، يُفرّغ عقودًا من الخطاب الأمريكي، الذي يقدم الولايات المتحدة بوصفها حارسة لقواعد النظام الدولي، من مضمونها. فمن خلال تجاوز مجلس الأمن الدولي، تصرّفت واشنطن مجددًا في تعارض مباشر مع القانون الدولي.
تنص المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، وهي مبدأ تأسيسي في القانون الدولي، صراحة على حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها. وبالتالي؟ فإن الإجراء المتخذ ضد زعيم دولة ذات سيادة قد أظهر للعالم، وبلا لبس، من هو المنتهك الحقيقي للقانون الدولي.
ويقدّم التاريخ سوابق وافرة. فمن العراق وليبيا إلى بنما وغرينادا، استخدمت الولايات المتحدة أو هددّت باستخدام القوة مرارًا وتكراًر تحت ذرائع مشكوك فيها، وغالبًا ما خلّفت وراءها حالة من عدم الاستقرار طويل الأمد. أما فنزويلا، التي خضعت طويلًا للعقوبات والضغوط السياسية، فتضمّ الآن إلى تلك القائمة، حيث جرى تهميش الدبلوماسية مرة أخرى لصالح القسر العسكري.
ويزيد من إدانة هذا العدوان كونه وقع في أمريكا اللاتينية. فالمنطقة عانت تاريخًا طويلًا من التدخلات الأمريكية، ولم يختفِ المنطق الذي يقف وراءها أبدًا بشكل حقيقي، وكما أشارت شبكة (سي إن إن) في تحليلٍ لها “في صميم التحرك تكمن طموحات واشنطن الأوسع لفرض سيطرة أكبر على جوارها القريب، لما أسموه نسخة محدّثة من مبدأ مونرو”.
قد لا يُعلَن هذا المبدأ صراحة بعد الآن، لكن جوهره لا يزال قائمًا: فما زال نصف الكرة الغربي يُعامل باعتباره مجال نفوذ حصريًا لواشنطن.
ومن خلال أفعالها المتكررة نفسها، برزت واشنطن كأحد أخطر التهديدات للنظام الدولي الذي تزعم الدفاع عنه. وبالنسبة لبقية العالم، لم يعد التحدث عن السيادة والتعددية خيارًا يمكن الاستغناء عنه، بل أمرًا أساسيًا لمنع العودة إلى عالمٍ تقرر فيه القوة، لا القانون، مصير الدول.
يقول إسماعيل الريماوي، وهو كاتب ومحلل سياسي فلسطيني، في مقال ٍ نَشرته وكالة “وطن” للأنباء، لم يعد من المبالغة القول إن النظام الدولي يعيش إحدى أكثر مراحله انحدارًا منذ نهاية الحرب الباردة، ففي عهد ترامب تراجعت السياسة الخارجية من إدارة نفوذ إلى استعراض القوة والهيمنة ومن الالتزام بالقانون الدولي إلى الاستخفاف به ومن الشراكة إلى منطق الإملاءات.
ومن منظوره، تعكس سياسات واشنطن في السنوات الأخيرة تحوّلًا واضحًا نحو استخدام القوة الخشنة، والتهديد المباشر كأدوات أساسية في إدارة العلاقات الدولية، وهو ما تجسد بوضوح مع فنزويلا حيث جرى دفع البلاد نحو الفوضى السياسية والاقتصادية، وفرض وصاية غير معلنة على قرارها السيادي بذريعة حماية الديمقراطية وتجارة المخدرات، بينما الهدف الحقيقي كان ولا يزال السيطرة على ثرواتها النفطية، وتحجيم أي نموذج يخرج عن الطاعة الأمريكية.
هذا النهج لم يقتصر على فنزويلا بل امتد ليشمل كوبا وكولومبيا والمكسيك حيث باتت لغة التهديد والعقوبات والضغط العلني سمة ثابتة في الخطاب الأمريكي تجاه دول أمريكا اللاتينية في عودة صريحة إلى عقلية الحديقة الخلفية التي اعتقد كثيرون أنها أصبحت من الماضي.
وفي الشرق الأوسط تتخذ هذه السياسة منحىً أكثر خطورة عبر التهديد باستهداف إيران ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يترافق مع دعم مطلق لإسرائيل في عدوانها المستمر على غزة ولبنان وسوريا حيث تُمنح تل أبيب غطاءً سياسيًا وعسكريًا كاملًا لمواصلة سياساتها العدوانية دون أي مساءلة دولية.
ولا يقف الأمر عند حدود الخصوم فحتى الحلفاء لم يسلموا من هذا المنطق، حين هدد ترامب بشكل مباشر بالاستحواذ على جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك في سابقةٍ تعكس استخفافًا غير مسبوق بمبادئ السيادة واحترام الدول الصديقة وتؤكد أن منطق القوة بات يتقدم على كل ما عداه.
إن القاسم المشترك بين هذه السياسات هو نرجسية سياسية ترى في العالم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتحقيق المكاسب، وتتعامل مع القانون الدولي كعبء لا كمرجعية، وهو ما يدفع النظام العالمي نحو مرحلة من الفوضى المنظمة حيث تُدار العلاقات الدولية بمنطق الأقوى لا التوازن.
في ظل هذا الواقع يصبح الصمت الدولي شريكًا في ترسيخ شريعة الغاب، ويغدو التواطؤ الغربي عنوانًا لأزمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية، فإما أن يُعاد الاعتبار للقانون الدولي ولمفهوم السيادة وإما أن يستمر الانزلاق نحو عالمٍ تحكمه القوة وحدها وتُداو فيه السياسة بمنطق الواقع لا بمنطق العدالة والشرعية والقانون.
يقول الدبلوماسي والحقوقي اللبناني د. جان معكرون: “في السياسة العالمية القانون شيء أما الواقع فهو حكمٌ آخر. وإن السوابق التاريخية تبيّن أمثلة عديدة جدًا على قيام الدول القويّة بحلّ مشاكلها بنفسها، أي باعتماد القوّة ضد الدول الأخرى التي لا تجاريها في مواقفها، رغم توافر المواثيق الدولية التي تمنع ذلك، وفي مثل هذه الأحوال ما الذي يمنع دولة قوية أو عظمى من التعدّي على دولة صغيرة أو غزوها من أجل تحقيق أهدافها التوسعية أو غيرها كما حصل مؤخرًا في فنزويلا. أما العقاب الوحيد على هذا التصرف العدواني غير القانوني لن يكون سوى الإدانة من الدول المعارضة”.
وفي هذه الحالة، يجدر بنا أن نتذكّر مقولة نابليون “أن المبدأ أو القانون جيّد لكن لا يتضمن أي التزام”.
كاتب بحريني وعضو التقدمي



