أميركا حليف لا يعوّل عليه

0
141

تشكلّ سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب نموذجاً صارخاً، لتقلبات سياسة واشنطن في علاقتها مع حلفائها من الدول التي تنظر إليها كسند يركن إليه في مواجهة المخاطر، فأزمة الثقة في الولايات المتحدة  كحليف  ليست مسألة عابرة، فالتاريخ يشهد على سلسلة من السياسات المتقلّبة، والوعود التي كثيراً ما تُستدعى في لحظة الحاجة ثم تُنسى عند أول منعطف مصلحي.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قدّمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها الضامن الأكبر للنظام الدولي، وراعية الاستقرار، وحامية  ما يزعمون أنّه “العالم الحر”، غير أنّ هذا الدور، الذي أضفيت عليه، زيفاً، قيم الحرية وحقوق الإنسان سرعان ما انكشف عن وجه آخر: وجه القوة التي ترى في الحليف ورقة قابلة للاستبدال.

ورغم أنّ  أميركالم تكن يومًا دولة بلا حلفاء، لكنها نادراً ما كانت حليفاً يُعتمد عليه دون شروط. فالتحالف معها لا يعني الاستقرار بقدر ما يعني الدخول في مدار متغيّر، تعيد تشكيله الإدارات المتعاقبة، حيث يجد حليف الأمس نفسه فجأة خارج الحسابات، لأن ميزان الربح والخسارة أعيد ترتيبه، فتصدعت فكرة “الحليف الاستراتيجي”، لتحلّ محلها فكرة أكثر براغماتية وأقل طمأنينة: الشريك المؤقت.

كثيرةٌ هي المرّات التي  لم تتردد فيها واشنطن في التخلي عن حلفائها عندما لم يعودوا صالحين للمشهد الجديد. أُسقطت أنظمة كانت حتى الأمس القريب “صديقة”، وتُركت أخرى لمصيرها بعد أن أدّت وظيفتها، وبهذا المعنى لا تُربك الولايات المتحدة خصومها فقط، بل حلفاءها أيضاً، فالقوة غير المتوقعة، مهما بلغت، تولّد قلقاً لا ثقة، ولم تعد الدول تسأل: هل أميركا قوية؟ فالقوة مفروغ منها. السؤال هو: هل يمكن الركون إلى هذه القوة؟

تتوالى الشواهد التي تجعل الإجابة  بالنفي على هذا السؤال، فهاهو ترامب يدخل في مواجهة مع أقرب حلفاء واشنطن، أعضاء حلف الناتو، وها هي إدارته تتخلى عن دعم كرد سوريا، الذين أوهمتهم واشنطن بالحماية الصارمة طوال أكثر من عقد، ما يجعل منطقياً السؤال عما إذا كنّا في الخليج قد تعلّمنا الدرس من كلّ هذا، وفهمنا أنّ واشنطن، وتبعاً لمصالحها، يمكن أن تتخلى في أي لحظة عن صفة الحليف الموثوق لمن يتوهم أنها كذلك بالنسبة له ؟