في خضم الصراعات والتوترات الاقليمية التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط، برزت سلطنة عُمان كقوة مؤثرة تلعب دورًا رئيسيا على الساحة الإقليمية للحفاظ على السلم، فقد استطاعت أن تثبت مكانتها كوسيط موثوق يسعى إلى جسر الفجوات بين الاطراف المتنازعة بدلًا من التصعيد.
ولقد شهدنا سابقاً كيف قامت سلطنة عمان بأدوار فاعلة في العديد من أزمات المنطقة العربية، ففي الفترة ما بين 1980-1988 خلال الحرب العراقية-الإيرانية، تبنت عمان موقفا متوازنا إذ أنها رفضت استخدام أراضيها لأي عمل عسكري يستهدف الجزر الثلاث المتنازع عليها بين الامارات وإيران آنذاك، كما استضافت في عام 1987 محادثات سرية بين بغداد وطهران في محاولة لإنهاء الحرب. ثم أعادت السلطنة التأكيد على الموقف نفسه عام 1991 عندما غزا العراق دولة الكويت، لكنها شاركت في جهود تحرير الكويت ضمن ميثاق دول مجلس التعاون الخليجي من خلال “درع الجزيرة” واستعادة سيادتها.
وانتقالا الى الملف اليمني، تمكنت مسقط من أداء دور الوسيط الموثوق بين جماعة أنصار الله والمملكة العربية السعودية وبقية القوى اليمنية، فاستضافت المفاوضات التي سهلت تبادل الأسرى ومساعي وقف إطلاق النار.
أما بالنسبة للأزمة القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فقد اتسمت العلاقة بينهما على مدار عقود بالتعقيد والتوتر، لاسيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي الايراني، حيث تسعى واشنطن لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي ومن تعزيز نفوذها في المنطقة. في عام 2013، كانت سلطنة عمان محطة للمحادثات الأمريكية الإيرانية والتي ساهمت لتمهيد الطريق للاتفاق النووي. كما نجحت السلطنة في إطلاق سراح معتقلون أمريكيون في السجون الإيرانية.
هذه الوساطة العمانية تؤكد استمرار التزام السلطنة بسياستها الخارجية الثابتة والتي تشير إلى مكانتها الدبلوماسية الموثوقة في إدارة القضايا والازمات المعقدة خصوصا مع تصاعد التوتر بين البلدين في الفترة الاخيرة. حيث رعت أيضا عدة محادثات غير مباشرة بين الجانبين بشأن الملف النووي الإيراني في مسقط وفي العاصمة السويسرية جنيف مؤخرا، لتفادي الانزلاق نحو مواجهة عسكرية قد تؤثر على استقرار المنطقة، إذا لم تقتصر الأزمة على إيران فستصبح تهديداً متصاعداً للمنطقة بأكملها. ففي حال بدأ الهجوم الأمريكي على إيران، سيوتر المنطقة ويعيد أجواء الحروب مرة أخرى، وهو ما تسعى دول المنطقة لتجنبه، حيث أن جميع الحروب تعد حالة استنزاف للأموال والموارد، مما يتطلب الاستمرار في توفير المناخ المناسب لإجراء الحوارات مع الأطراف المتنازعة لتجنيب المنطقة ويلات الحروب وتداعياتها.


