من وحي أوراق المنتدى الفكري السنوي 12 للتقدمي: السياسات الضريبية بين ضرورات الإصلاح والعدالة الاجتماعية

0
35
خليل يوسف

شكّل عنوان «السياسات الضريبية في دول الخليج العربي» محورًا مركزيًا في المنتدى الفكري السنوي الثاني عشر للمنبر التقدمي في 13 فبراير 2026، ويعكس اختيار العنوان وعيًا متقدمًا بحساسية هذا الملف، وارتباطه المباشر بالاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، والاستقرار المجتمعي فالضرائب لم تعد قضية مالية او فنية تخص وزارات او جهات رسمية معينة  فقط، بل أصبحت مسألة سياسية واجتماعية وأخلاقية بامتياز، ترتبط بالجميع وتهمهم، في الدولة وفي المجتمع، وهى العلاقة التى قال أمين عام المنبر التقدمي الرفيق عادل متروك فى كلمته الافتتاحية للمنتدى إنها بحاجة إلى “إعادة هندسة” بحيث تحول دون ترحيل كلفة الأزمات الاقتصادية التى تسببت بها السياسات الرسمية والمبنية علي الريع وثروات الأرض إلى كاهل المجتمع، وبالأخصّ الفئات ذات الدخل المتوسط والمحدود، دون اعادة بناء المنظومة القانونية، وضمان الاستحقاقات العامة، وفى مقدمتها العدالة الاجتماعية . 

قول أمين عام المنبر التقدمي لا مس جوهر الأزمة حين أشار  إلى أن التوجهات السائدة تميل إلى تفريغ السياسة الضريبية من مضمونها التنموي، وتحويلها إلى أداة جباية وعقاب، بدل أن تكون وسيلة لتقليص الفجوات الاجتماعية وكبح حدة التناقضات الطبقية، فحين تنفصل الضرائب عن بعدها العادل، وتُفرض دون رؤية اقتصادية واضحة، أو دون ربطها بتحسين الخدمات، ودعم الطبقة الوسطى، وحماية الفئات الضعيفة، تتحول من أداة لإعادة توزيع الثروة إلى عبء إضافي على محدودي الدخل، و عندها لا تعود الضريبة تعبيرًا عن عقد اجتماعي متوازن، بل تصبح رمزًا لاختلال الأولويات، وغياب العدالة، وتآكل الثقة بين المواطن والدولة، وهو ما يهدد الاستقرار الاجتماعي قبل أن يحقق أي عائد مالي .

وبوجه عام يمكن القول إن المنتدى لم يكن مجرد فعالية فكرية تقليدية، بل شكّل مساحة جادة لإعادة التفكير في موقع السياسة الضريبية داخل المشروع التنموي الخليجي، وفي علاقتها بالعدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي وحتى الشرعية السياسية ، وجاء  في زمن تتعاظم فيه الضغوط الاقتصادية، وتتسع فيه الفجوات الاجتماعية، وتُعاد فيه صياغة العقود الاجتماعية في مختلف دول العالم .

إن السياسات الضريبة، وهذا ما اكد عليه المنتدى تحوّلت من ملف مالي إلى قضية مجتمعية، إذ جرى ولوقت طويل التعامل مع الضرائب في دول الخليج بوصفها موضوعًا تقنيًا محصورًا في وزارات المالية والموازنات العامة. لكن التحولات الاقتصادية، وتراجع الاعتماد على النفط، وتزايد الالتزامات الاجتماعية، فرضت واقعًا جديدًا لم تعد فيه  الضريبة مسألة حسابية، بل أصبحت قضية سياسية واجتماعية وأخلاقية بامتياز، ومن هنا، جاءت أهمية المنتدى فى طرحه الأسئلة الكبرى، من يدفع، ولماذا، ولمن، وبأي مقابل اجتماعي .. ؟

من أبرز ما كشفه المنتدى هو أن الأزمة الحقيقية ليست في فرض الضرائب بحد ذاتها، بل في غياب الثقة والرؤية، فالمواطن لا يرفض الضريبة من حيث المبدأ، بل يرفض الغموض فى  استخدامها، يرفض ضعف الخدمات، وغياب المحاسبة، غموض الأولويات، وحين لا يرى أثرًا ملموسًا لما يدفعه، تتحول الضريبة في وعيه من مساهمة وطنية إلى “استقطاع قسري”، بمعنى آخر حين تنفصل الضريبة عن بعدها الاجتماعي، تتحول من عقد تضامن إلى عبء نفسي وسياسي.

مع تراجع العوائد النفطية، لم تتجه معظم السياسات الاقتصادية الخليجية إلى إصلاحات هيكلية جذرية، أو إلى إعادة هيكلة الإنفاق العام، أو إلى مكافحة الهدر والفساد، بقدر ما اتجهت إلى الخيار الأسهل: تحميل المواطن العبء، ومن هذا المنطلق يمكن القول إنّ جوهر المشكلة تتجلي فى “أزمة ثقة”، فالقضية ليست في مبدأ الضريبة، بل في غياب الثقة فالمواطن لا يعرف أين تُصرف أمواله، وكيف تُدار الموارد، ومن يُحاسَب على التقصير، ولماذا تغيب او تغيّب الشفافية، وذلك يشعر المواطن بانه يتعامل  مع الضريبة بوصفها ظلمًا، لا واجبًا وطنيًا، وهذا يعني أنّ كل نظام ضريبي بلا ثقة، هو نظام هش، مهما بلغت أرقامه، وفى هذا السياق تمّ التأكيد او التحذير المهم الذى اطلقه المنتدى من خلال أوراق العمل والمناقشات لتضع الإصبع على جوهر المشكلة  وهي أن التوجهات السائدة تميل إلى تفريغ  السياسة الضريبية من مضمونها التنموي، وتحويلها إلى أداة جباية بدل أن تكون وسيلة لكبح حدة التناقضات الطبقية .

لتبيان ذلك لابد ان نتوقف بشكل سريع  امام أوراق العمل الأربع التى طرحت فى المنتدي وفقاً لتسلسلها؛ ففي ورقته الأولى، قدّم الباحث والقيادي في الحركة التقدمية الكويتية أحمد الدّيين قراءة معمّقة لتجربة الضرائب في دول الخليج قبل النفط، متخذًا من الكويت نموذجًا مسلطاً الضوء على السياق التاريخي للسياسات الضريبية، والعلاقة بين الدولة الريعية والمجتمع، وحدود الإصلاح في ظل الثقافة الاقتصادية السائدة، وبيّن أن غياب الضرائب لفترات طويلة لم يكن مجرد خيار اقتصادي، بل جزءًا من “صفقة اجتماعية” غير مكتوبة، تقوم على توفير الدولة للخدمات مقابل ضعف المشاركة الضريبية، وهي معادلة باتت اليوم تحت ضغط شديد.

أما الورقة الثانية للدكتور محمد الكويتي فقد انتقلت بالنقاش إلى المستوى المفاهيمي، عبر تناول مفهوم الضرائب، وأهدافها، ومبادئها الأساسية، وأكد أن أي نظام ضريبي ناجح يجب أن يقوم على العدالة في التوزيع، الشفافية في التحصيل، الكفاءة في الإنفاق ، والوضوح في التشريع، والمساءلة في التطبيق. كما شدد على أن الضريبة كما يفترض ليست مجرد مورد مالي، بل أداة لإعادة توزيع الثروة، وتحفيز الإنتاج، وضبط السوق، وتحقيق التوازن الاجتماعي.

في الجلسة الثانية، قدّم الباحث عبد الجليل النعيمي ورقته حول تحليلية مهمة  “الضرائب بأنواعها في ميزان العدالة الاجتماعية .. البحرين نموذجاً”، واضعًا الملف في قلب العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع مركزاً  على أثر الضرائب غير المباشرة على الفئات الضعيفة، وخطورة تحميل الطبقة الوسطى العبء الأكبر، وغياب السياسات التعويضية الكافية، ضعف الربط بين الجباية وجودة الخدمات.

وأكد أن الضرائب والتكاليف العامة أساسها العدالة الاجتماعية، كما اكد ان ضريبة القيمة المضافة هى اكثر أنواع الضرائب إجحافا بذوي الدخل المحدود والمتوسط ، ولفت إلى ان هذه الضريبة أعجز من ان تضخ للميزانية ما يٌعجل خفض الديّن العام ، ورفع أعباء خدمته من على كاهل البلاد والعباد  ، كما أنها تضر العدالة الاجتماعية ، بقدر ما تضر الاقتصاد ، كما أشار إلى ان الضريبة الانتقائية كغيرها من الضرائب غير المباشرة لا تشكل اضافة للاقتصاد لأنها تدفع من جيوب المواطنين .

كما اكد النعيمي فيما يخص البحرين على جملة من الحقائق الهامة منها: 

– البحرين اليوم أحوج من غيرها لفرض ضرائب على الشركات وعلى دخل الأفراد ذوي المرتبات البالغة الارتفاع وعلى الثروات والأراضي غير المستغلة اقتصادياً. 

– إن تركيز السياسة المالية والضريبية على الضرائب غير المباشرة وتخلي الدولة عن التزاماتها الاجتماعية فى كافة الخدمات الضروية كالصحة والتعليم والإسكان والغذاء والماء والكهرباء فى منطقة الخليج بالذات يشكل انقلاباً جذريا علي النموذج الاقتصادي الاجتماعي المعهود . 

– إن  قلق المواطنين فى البحرين تصاعد قبل السنة الجديدة 2026، مصحوبا بالتذمر من إقرار الحكومة إجراءات رفع أسعار الوقود ابتداء من اليوم التالى لصدور القرار، وقد حدث مثل هذا الغضب عند إلغاء الزيادة السنوية فى المعاشات التقاعدية ( 3٪؜ ) والتعديلات الأخرى على نظام التقاعد والتأمينات الاجتماعية، وعند رفع أسعار الكهرباء والماء، وعند رفع الدعم عن اللحوم ، وعند سن ضريبة القيمة المضافة وهكذا الحال مع فرض اي رسوم جديدة او سحب الدعم .

– المطلوب هو إعادة بناء الاقتصاد الوطني ليصبح اقتصاداً  فعليا منتجا، متناميا ذاتيا يولي أهداف التنمية الاقتصادية الاجتماعية المستدامة والشاملة أولوية علي برامج التوازن المالي ويعتمد التخطيط كأداة علمية فاعلة لتحقيقها تكون فيه الضرائب رافعة للاقتصاد لبنت؛ وأداة لإعادة توزيع الثروة والدخل الوطني للفئات الأقل دخلاً لا العكس .

الورقة الرابعة كانت للباحث العماني علوي المشهور الذي قدّم قراءة استراتيجية للضرائب باعتبارها “نافذة للتحولات الكبرى في الخليج” متناولاً  العلاقة بين الضرائب وبين تنويع الاقتصاد، والتحول إلى اقتصاد المعرفة، و جذب الاستثمار، و إعادة هيكلة سوق العمل، و تعزيز الاستدامة المالية، وبيّن أنّ الضريبة، إذا أُحسن تصميمها، يمكن أن تكون محركًا للتحديث، لا عبئًا على التنمية.

ازاء كل ما تقدم وما أثير  من نقاشات  فى المنتدى الفكري نخلص إلى أن دول الخليج أمام  مفترق طرق، إما بناء أنظمة ضريبية عادلة وشفافة، ومرتبطة بالتنمية، أو الاكتفاء بسياسات قصيرة المدى، قائمة على الجباية السريعة، ومن المؤكد ان الخيار الأول يبني دول حديثة، والخيار الثاني يراكم الأزمات، ويجب أن يفهم أن العدالة الضريبية تعني توزيعًا متوازنًا للأعباء، و شفافية كاملة في الإيرادات، ووضوحًا في أوجه الصرف، ومحاسبة لا تستثني أحدًا، أما الضرائب  التي لا يرافقها إصلاح حقيقي، و تُترك أسئلة كبرى معلقة مثل أين ترشيد الإنفاق ..؟، أين محاربة الهدر والفساد .. ؟، أين إعادة ترتيب الأولويات ..؟، وأين الشفافية في أوجه الصرف ..؟، فهي ليست إصلاحًا اقتصاديًا بل مخاطرة سياسية تتعاظم حين تُدار أمور الناس والمجتمع بعقلية البيانات الصحفية، والإشادات، وتُسويق الكلام العام الفضفاض الذى يبقي على المراوحات ولا يغيّر من واقع الحال شيئاً، ولا يحمي الطبقة المتوسطة و “مهدودي الدخل”، ولا يأخذ فى الاعتبار أن الثقة رأس مال سياسي لا يُعوَّض، وأن أي سياسة ضريبية لا تُبنى على الثقة والعدالة ستواجه اختبارًا صعبًا، وإذا كانت الضرائب  ضرورة، لكن العدالة ضرورة أكبر، وهذه هى الحقيقة التى لا يجب أن تغيب عن أذهان الجميع .

موضوع المنتدى الفكري للتقدمي، في جوهره، دعوة صريحة لاختيار طريق السياسات المحققة للعدالة الاجتماعية ، واكد أن الضريبة العادلة تبني مواطنة، والضريبة الجائرة تولّد اغترابًا، وبين هذا وذاك، تقف البحرين ودول  الخليج أمام لحظة مفصلية، تحتاج إلى شجاعة الإصلاح، ووضوح الرؤية، وإرادة سياسية ترى في المواطن شريكًا ضمن رؤية شاملة للإصلاح، لا ممولًا  مجبوراً على التمويل، صامتا على الأخطاء.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا