يكاد قلمي أن يندفع فيكتب عن حبّي للبحرين، يكاد أن يستهل هذه الوقفة ليكتب عن الذات ويكاد أن يجعل علاقة هذه الذات بذلك القطر العربي الكريم، مَعلماً من معالم هذه الوقفة، أكاد أتصوّره لوحة بلدٍ سياحي أو مضيافاً لزائر يقطع الطريق بين المطار والفندق، ولكنني سأوقف قلمي عن أن يتخذني مًعلماً في الحديث عن البحرين وسأترك مشاعري نحو ذلك لأصدقائي في البحرين، وسأقود القارئ إلى انطباعاتي عن البحرين وأنا أزورها من جديد، فلعلّه يسعد بمعرفة وطن عربي بدأ نهضته منذ ما يقارب نصف قرن ومازال يسير في طريقه نحو الأحسن.
زرتً البحرين في مستهل الشهر الجاري وكنت أنظر بعيونٍ نهمة إلى كلّ ما هو جديد، الجديد في الحكومة، الجديد في المناطق، الجديد في القرى، الجديد في الناس، فهناك سنوات تفصلني عما عهدتُ البحرين عليه وكان لزاماً عليّ أن أنظر وأنظر بدافع الحب الذي أكنّه لهذه البلاد، فقد قضيتُ بها منتصف العشرينيات والثلاثينيات من العمر، ووجدتُ فيها ما نشأتْ عليه النفس من علمٍ وأدب فكان للفكر فيها أفق وللثقافة مصدر وللشعور مجال، فلا غرابة إذا ما اتسعت نظراتي ونفذت إلى صميمها وأنا أخطو أول خطوة إلى المطار.
بدت البحرين أمامنا من الطائرة لآلئ تتناثر على البحر مشرقةً هادئة، ورأيتً جمعاً من أهل البحرين في المطار نشء جديد بنى كيانه على العلم، وكان لحسن الحظ أن يكون في استقبالي قادة أهل العلم في البلاد من مدير معارف ومساعديه، إلى مراقب إعلام ومساعديه، وجدت الصغير قد كبر والمتعلم معلماً والمعلم مدرسةً أدبيةً ولا أغالي في ذلك ولولا الحراجة في ذكر الأسماء لذكرتُ وعددتُ، ولكنهم جميعاً ليسوا بحاجة إلى قلمي فيعرفهم ولا إلى إطرائي فيرفعهم، إنهم شباب كوّنوا أنفسهم وشقّوا طريقهم، ورسموا لهم منهجاً في الحياة خير ما يوصف به الهدوء والاتزان والخبرة.
ودخلتُ البلاد وتجولتُ فيها فماذا رأيت؟ رأيتُ العمران وقد امتدّ حتى كادت أن تضيق به القضيبية على سعتها، ووجدتهُ اتصل حتى كاد أن يربط الرفاع والمنامة وبين سوق المحرق والمطار، ووجدت جهود النهضة قد أثمرت وظهرت لها معالم في كل مجال، ففي الطب ازدياد، وفي الأدب إعمار، وفي الهندسة أركان، وفي التعليم رجال، وللمرأة في البلاد دور، فهنالك المربية الفاضلة والممرضة الناجحة والشاعرة الصاعدة، وفي صدد تلميحي لنهضة المرأة لا أغفل مشاركتها في الجانب الاجتماعي، فلها يد ناعمة على المريض في الوطن الصغير، وعلى الفدائي في الوطن الكبير، وقد علمتُ أنهنّ حالياً يقمن بمشروع اسمه (لكلّ فدائي كنزه) ينسجنها بأيديهن، وتسلم صوفها إحدى الجمعيات لهن ويذهب منهن وفد ليبلغه إلى الجهات المعنية… لفتح المنظمة التي رفعت رؤوساً أطرقت خجلاً وحيرة بالنكسة وتطلعت إلى الأمل الكبير في تحرير فلسطين.
ولم أتحدث في البحرين عن الحكومة، ولكن ذلك لا يحسن ممن ينقل انطباعاته، فقد زرتُ عظمة الحاكم ووجدته مستجيباً للكبير رؤوفاً بالصغير، وسألته عن خطابه في عيد جلوسه فأكّد تصميمه على السير نحو النهضة وعلى الاعتماد على الطليعة من أبناء البلاد وتسليمهم المسؤوليات ووجدت لديه الثقة والاعتداد.
ولم أزر الدوائر (فقد كانت زيارتي أيام عطلة)، ولكني اجتمعت بالعديد من الموظفين وكانت ملامحهم تنطق بالاندفاع لخدمة الوطن والعمل على مساندة حكومتهم في البناء الكبير.
هذه البحرين كما رأيتها نضوج في النهضة وحصاد في السير ودأب في العمل، وفي خلال ذلك كله وجدتُ لكلّ جانبٍ من جوانب تكامل المجتمع أسرة، فللتعليم أسرة وللأدب وللصحافة أسرة، وللفنّ أسرة ومن هذه الجهود وبمثل هذا التضامن ينبني تحقيق النجاح.
وبعد… هذه نظرة زائر وهذه خواطر محبّ لجزء من الوطن العربي الكبير أدعو أن يحقق له كل خير.
*مقال كتبه الأديب العماني عبد الله الطائي أثر زيارته إلى البحرين معيّة وفد عماني رسمي في جولة خليجية وعربية في العام 1971، بعد غياب طويل نسبياً عنها، هو الذي عاش فيها تسعة أعوام بين نهاية أربعينيات ومطالع خمسينيات القرن العشرين، مُعلّماً في مدرسة الهداية بالمحرق وكاتباً في صحافة البحرين ومذيعا في إذاعتها.


