ماذا “يطبخون” لك اليوم؟

0
82
عصمت الموسوي

إذا استيقظت يوماً على واتساب يخبرك أنّ زميلك الذي كنت ترأسه قد اصبح رئيساً عليك، أو أنّ وظيفتك التي كنت تشغلها قد انتفى مبرر وجودها، أو أنك قد بلغت عمر الستين وحان موعد تقاعدك وإحلال شبان صغار أكثر نشاطاً وإنتاجية وتمكناً وإجادة للعمل وإتقانا للتكنولوجيا منك ومن هم على شاكلتك، فإنّ الحكمة تقتضي أن تمتصّ الصدمة بهدوء ورباطة جأش، حفاظاً على أهمّ رأس مال تملكه وهو صحتك، ولا تتعب نفسك كثيراً في البحث عن الأسباب، فأيامنا في العمل وسنواتنا في الوظيفة آيلة للانقضاء والفناء كأعمارنا وشبابنا وصحتنا، فإذا أزف يومك وحان موعد رحيلك فقد تجد في مقولة إن “لكلّ مرحلة وظيفة ورجال” عزاءً،  قد يخفف وطأة الإحساس بالظلم والغبن والخسارة، أين كنت؟ كيف لم تقرأ العيون ولم تتبين بالونات الاختبار ولم تهجس برياح التغيير، وما انتبهت لهذا المرجل الذي يغلي كل يوم في مواقع العمل وصنع القرار المختلفة ويلقي ضحاياه يميناً ويسار دون شفقة ورحمة. 

في البحرين خسر ما يقارب 4400 مواطن وظائفهم في الحكومة والقطاع الخاص في ظرف عدة أيام على خلفية  المشاركة في أحداث 2011، ويتذكّر المفصولون كيف أنبأتهم جهات العمل المختلفة بقرارت الفصل ومبرراته وحججه، كالغياب عن العمل وتعطيل المصالح والمشاركة في تظاهرات سياسية غير مصرح بها وغيرها، وقد طالبت اللجنة الوطنية المستقلة لتقصي الحقائق في تقريرها الذي عرف بـ “تقرير بسيوني” باعادتهم جميعاً إلى العمل لاحقاً كحقّ لا كمنّة أو مكرمة، ويذكر التقرير أنّ اغلبهم عاد إلى عمله باستثناء نسبة قليلة  تغيّرت مواقعها الوظيفية أو خسرت بالكامل.

 هذا على صعيد القطاع العام، أما القطاع الخاص فقد لعب لعبته وتخلّص مما أسماه بفائض العمالة لديه، وتعسّف وتجبّر واختلق المبررات ملتحقا بقطار الحكومة – التي صححت أوضاعها نسبيا مسايرة للحقوق والعدالة والانظمة الوظيفية -، أما القطاع العام  فاضطر إلى مواجهة المحاكمات وأجبر على التعويض،  في تلك الأيام كثيرون قرأوا خبر انهاء خدماتهم على وسائل التواصل الاجتماعي ، وهناك بعض المدراء ممن تعاملوا برفق ومحبّة وتعاطف مع مرؤوسيهم وزملائهم المفصولين ممن تربطهم بهم العشرة والصداقة، عانقوهم والتمسوا العذر منهم باعتبار ان الأمر خارج يدهم، فيما أقدم آخرون على إهانة المفصولين واذلالهم وكيل الاتهامات لهم – تمّ تبرأتهم منها لاحقاً -، والحق يقال إنّ ثمّة مؤسسات تمسكت بموظفيها المتهمين ودافعت عنهم ورفضت أي إملاءات صريحة أو مواربة  للتخلص منهم او معاقبتهم. 

يروي فيلم امريكي شاهدته عام 2009، وقبل أزمتنا البحرينية بعضاً من كوارث وتداعيات الأزمة المالية العالمية 2008 وما تبعها من انهيار في سوق الرهن العقاري والبورصات وما سببه من إفلاس لمؤسسات مالية كبرى أدت إلى خسارة آلاف الوظائف. بطل الفيلم رايان بينغهام (جورج كلوني) في فيلم up in the air “معلّق في الهواء” يطير من ولايةٍ إلى أخرى بوصفه خبير تفنيش ممثلاً لشركة استشارية متخصصة في فصل الموظفين من أعمالهم استجابة لمتطلبات المرحلة وتقليصاً للأعمال، وفي الفيلم نشاهد كيف أنّ هذا الخبيرالمتخص  يسعى  لجبر خواطر الموظفين وملاطفتهم ومجاملتهم وامتصاص غضبهم وإطفاء حرقة قلوبهم قبل إلقاء قنبلة قرار الفصل التعسفي القاسي عليهم، وإعلامهم بحقوقهم، في النهاية يدرك البطل أنّه هو نفسه الداعي للخفّة والتحرر من المسؤوليات والالتزامات وتخفيف الحقيبة التي يحملها المرء على ظهره هو نفسه ينتهي وحيداً وفارغاً فاقداً للروح والإنسانية.

أخبرني أحد قرّاء زاوية البريد التي كنت اشرف عليها في مطلع عام 2000 أنّ موظفاً في أحد المؤسسات الخاصة امتلك وجهاً من صفيح على حد تعبيره، على خلاف وجه خبير التفنيش  الجميل في فيلم “معلّق في الهواء”، إذ أوكلت اليه مهمة تشبه إلى حد كبير مهمة بطل الفيلم، لكن على الطريقة العربية، وتتلخص في تطفيش موظفي قسم من أقسام المؤسسة بحجة انتفاء مبرر وجودها،  والحاجة إلى نقل وتحويل الموظفين أو إنهاء خدماتهم، وقد نجح في مهمته بالدهاء والحيل والمكائد والكذب وتخريب المكيّف، فهرب الموظفون المساكين  إيثاراً للسلامة وإن كان على حساب حقوقهم والتعويض المستحق لهم، أما من اعترض وعاند فتعمّد إهانته وتحقيره والتنمر عليه، لكن بعد تصفير المكان بعامين تسلّم صاحبنا هو نفسه رسالة إنهاء خدمته بذريعة بلوغ سن الستين.

ذات مرة تلقيتُ شكوى من قارئ كان يشغل منصباً عالياً في شركة صناعية كبيرة، قال إنّه قرر أن يحوّل شكواه اليومية المستمرة من الظلم الواقع عليه وتجاهل رسائله وعتبه الصريح والمبطن إلى رؤسائه، فرأى أن يفعل شيئاً ملموساً ومؤثراً وذا جدوى. كتب نصّ الاستقالة بعناية شديدة شرح أسبابها  بالتفصيل وأرفقها بكل مراسلاته السابقة، ألقاها على مكتب الرئيس ومضى إلى بيته موقناً أنّه  اتخذ القرار الصحيح، كان قد امتلاْ يقيناً أنّه شخص كفوء ويصعب الاستغناء عنه أو إيجاد بديل له. انتظر عدّة أيام قبل أن يتلقى اتصالاً من شركته، انفرجت أساريره، رحبّ بالمتصل، مازحه بالقول: هل تداركتم خطأكم؟. فوجئ بقبول الاستقالة، ما هذا؟، قال لنفسه، كيف قبلوا استقالتي، وأنا الموظف الذي لا يشقّ له غبار في مضمار عمله، كتب لنا في الصحافة شاكياً متبرماً متظلماً، قال: “تلك كانت نداء استغاثة وليس استقالة”.

في ظلّ هذه الأجواء التي يعيشها البعض في  نطاق الوظيفة العمومية أو الخاصة لا نعدم ان نرى موظفاً أصيب بالسكتة الدماغية أو القلبية  بعد قرار الاستغناء عنه، يعرف المقربون منه أنّه مات قهراً وكمداً وحزناً على وظيفة منحها كل طاقته وآماله وطموحه منتظراً الترقية أو المنصب الإداري  الرفيع وليس قرار الاستغناء عن الخدمة، وماذا يفعل الإنسان  بعد زوال الوظيفة التي شكّلت معنى حياته ومنحته مكانته وهويته؟ 

الأمان الوظيفي، والاستدامة الوظيفية  ما يتصل بها مطالب يصعب نيلها. الصراع اليومي في مقار الاعمال موجود بشكلٍ ظاهر وخفي أحياناً، ولطالما تضاربت المصالح وبلغت المنافسة أشدّها وتحوّلت المصلحة إلى حلبة صراعات لا يقوى الكثيرون على مسايرتها أو اللعب على تناقضاتها، ولعنا نرى أنّ وظائف اليوم أكثر ترنحاً وتذبذباً وسيولة وتأثراً بمجريات الخارج على الداخل أكثر من أي وقت مضى، فلا الرئيس آمن ولا المرؤس آمن. إن لم تأتك الضربة الغادرة من رئيسك فلا تأمنها من تسارع التكنولوجيا واستيلاءها على وظيفتك، حتى الزمن يسير ضد الوظيفة المضمونة، في بعض المؤسسات يتخوّف بعض الموظفين حتى من أخذ إجازاتهم الطبيعية، فالإجازة، وفقاً لتجاربهم، يعقبها كوارث. الإجازة فرصة للانقلابات، التنقلات، والتغيّرات غير المأمونة الجانب من قبل رؤساء وثقوا بهم وصادقوهم وضمنوا ولائهم، هل في ذلك غرابة؟  وهل وجدت يوما رئيسا يقدم مصلحة الموظف على مصلحته أو مصلحة مؤسسته، أو يناقش أو يستشير موظفيه قبل الإطاحة بهم؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا