الحكايت التي لا تروى تتحوّل إلى سجون

صدرت الترجمة العربية لرواية “سجين السماء” لمؤلفها كارلوس زافون، لإول مرة في العام 2011 عن منشورات الجمل وتقع في 365 صفحة من الحجم المتوسط، قبل توفي كاتبها يتسع سنوات، في العام 2020 عن عُمر لا يتجاوز 55 عاماّ، وهي الجزء الثالث من سلسلة “مقبرة الكتب المنسية”: (ظل الريح)، (لعبة الملاك)، (متاهة الأرواح)، وتدور أحداث هذه الرباعية جميعها في برشلونة عام 1957، وتتناول الذاكرة والهوية والآثار النفسية للقمع والسجن والسلطة والكتابة، في إسبانيا بعد الحرب الأهلية (1939-1936) تحت حكم فرانكو، حيث يسود القمع وصمت المواطنين خوفاّ، وما خلفته تلك الأحداث من تأثير الماضي في تشكيل الحاضر.
تبدأ الرواية بزيارة رجل غريب إلى المكتبة لشراء نسخة نادرة من “الكونت دي مونت كريستو”، ويتركها لصديقه القديم فيرمين روميرو دي توريس، ما يعيد إلى الذاكرة أسراراّ خطيرة من الماضي، ليأخذنا الكاتب في رحلة مظلمة داخل أروقة الذاكرة والظلم الإنساني، كاشفة أسرار الماضي من خلال شخصية فيرمين روميو دي توريس مقدماّ صورة عميقة عن أثر الاستبداد والسجن على الروح البشرية.
يطلّ ماضي فيرمين في السجن أثناء حكم فرانكو حيث يلتقي بشخصيات من سلسلة الروايات السابقة بهدف ربط الأحداث بروايتي (ظل الريح)، و(لعبة الملاك)، ومن ثم يصل بالراوية إلى كشف الكثير من الأسرار التي ظلت غامضة في الجزئين السابقين بهدف وصل كل تلك الأجزاء بالجزء الرابع في هذه المجموعة، أي (متاهة الأرواح)، لتقول إن الحرية الحقيقية ليست فقط حرية الجسد، بل حرية النفس من الذكريات المؤلمة، وهي ذات متعددة الأصوات، والراوي هنا يبين بأن الأحداث ليست مجرد وقائع، بل تجارب شخصية متشابكة مع التاريخ، الهدف من سردها ليس الترفيه، بل للحفظ والمقاومة والتذكر وإسماع الجيل الجديد ما عاناه السابقين من المآسي والالآم.
يستحضر زافون تاريخ إسبانيا والقمع الممارس في ظل حكم فرانكو، مسلطاً الضوء على الصمت والخيانة والوفاء من خلال أبطال الرواية، الذين خرجوا من التاريخ الرسمي وبقوا أسرى الذاكرة. إنها رواية عن الناس الذين بقوا صامتين حتى تحرروا منّ الصمت عندما بدأوا في تذكر حكاياتهم ليتحرروا من ماضيهم، فالحكايات التي لا تروى تتحوّل إلى سجون، وأن الحرية تبدأ حين نواجه ماضينا، مهما كان مؤلماً ومعذباّ، ولان “الذاكرة سجن لا يملك مفاتيحه إلا من يجرؤ على التذكر”، جعل الكاتب من فيرمين روميو دي توريس بطلاً تراجيدياً ممثلاً ذاكرة الألم الجماعي حيث الحقيقة تبقي شاخصة، يعيد تشكيلها في الحاضر أي أن الحقيقة لا تموت رغم الفارق الزمني، ففيرمين دي توريس يبدو في الظاهر محطماً في العمق على الرغم من نجاته جسدياً من القمع “بعض الرجال خرجوا من السجن، لكن السجن لم يخرج منهم” لذلك ظلّ أسيراً للحالة النفسية التي عاناها بعد خروجه من السجن.
فيرمين هو القلب الإنساني والضمير السردي الذي يكشف الوجه المظلم لبرشلونة على الرغم من تحرره بعد اعترافه المتأخر، وهذا الاعتراف كان ضرورياً ليحرره من الماضي الذي يختبأ في ذاكرته المثقلة بالقمع والسجن و الخذلان “نحن لا ننجو لأننا أقوياء، بل لأننا نتعلم كيف نختبئ”، حيث صوّر زافون لنا فيرمن مرحاً من الخارج، سريع البديهة، ساخراً، لكنه في العمق إنسان مكسور، يحمل آثار التعذيب والخوف و الذنب: “تعلمتُ في السجن أن الضحك أحياناً هو الطريقة الوحيدة لئلا نموت.”، نجا بالكلام بعد أن كاد يهلك بالصمت، رجل مثقف وصحفي دفع ثمن أفكاره بأن تعرض للإذلال الجسدي والنفسي “خرجت من السجن حياً، لكن جزءاً مني بقي هناك، الخوف لا يزول …نحن فقط نتعلم كيف نتعايش معاه.”، فالسجن كما يراه زافون ليس جدراناّ فقط، بل قد يكون خوفاّ، ماضياّ، والكتب طوق نجاة ووسيلة للبقاء حتى في أحلك الظروف الصعبة، والماضي يطاردنا مهما حاولنا الهروب منه والتخفف من آثاره.
تمثل شخصية دانييل سمبيري في هذه الرواية الجيل اللاحق الذي لم يعش القمع مباشرة لكنه يرث آثاره فيتحول من محرّك للأحداث إلى شاهد عليها، يٌصوّره الكاتب بأنه يمتاز بالهدوء بعد أن كان مندفعاً وله القدرة على الإستماع دون إصدار الأحكام المسبقة وذو إحساس متزايد بالمسؤولية تجاه الماضي، كما أن العلاقة بين دانييل وفيرمين أشبه بعلاقة توريث للذاكرة ليتسلم عبء قصة فيرمين ليصبح رمزا لمن يحمل تلك القصة دون أن يكون جزءاً منها أو ضحية مباشرة: “لم أكن بطل هذه القصة، بل شاهدها.”
وبالعلاقة بالمكان تبدو برشلونة مدينة مثقلة بالصمت يتجوّل دانييل فيها بعينٍ تعرف ما الذي تخفيه الجدران، فالمدينة هنا مثله ناجية لكنها غير بريئة، فقد صوّر الراوي دانييل سمبيري شخصية تعيش نتائج السجن كونه من الجيل الذي لم يتعرض إلى السجن، لم يجعله في مركز الضوء لكنه في مركز الاتزان “فالكتب علمتني الحلم، لكن البشر علموني الحقيقة.”
وعلى خلاف تلك الشخصيتين يبرز إسم ماوريسيو فيالس شخصية شريرة يستمد قوته من كونه موظفاً سلطوياً: “لم يكن يسعى لإيذاء الجسد، بل لإذلال الروح”، وهذه القوة نابعة من النظام القمعي الذي يخدمه، يستمتع بممارسة السلطة دونما الحاجة إلى أية مبررات أخلاقية بصفته ضابط سجن، يتقن الإذلال النفسي والتلاعب بالقوانين من خلال تحويله السجن إلى مختبر لإخضاع البشر “القوانين في يديه لم تكن لحماية الناس، بل لتدميرهم، يعمل بلا رحمة، وكأن الإنسانية لم توجد أبداً.”
من خلال التشخيص السريع لكل من تلك الشخصيات، ومثل باقي أجزاء الرباعية نجد بأن كارلوس زافون يعتمد على السرد الغني، الشخصيات المعقدة، وغموض يمزج بين الماضي والحاضر مما يجعل القارئ يشعر بأنه يغوص في الماضي والحاضر معاً من خلال ربطه بين حياة الأفراد والتاريخ الإسباني ومدينة برشلونة، أزقتها الضيقة، مبانيها القديمة، وأجوائها الغامضة حيث تختبئ الأسرار في كل شارع وزقاق، وتظلّ الحكايات المجهولة حارة بين جدرانها. برشلونة، هي مكان يجمع بين الجمال والخطر، بين الماضي والحاضر، واستخدم الراوي في سرده تلك الشخصيات متعددة الأصوات ليكشف عن صمود الإنسان أمام الألم والخوف، وبذلك تتحول الرواية إلى اعتراف طويل ومؤلم يرويه فيرمن، عما حدث له في سجون فرانكو.
“سجين السماء” ليست مجرد رواية فيها من التشويق الكثير، بل عمل إبداعي وإنساني، صاغها الكاتب بأسلوب شاعري، سهل وعميق وتاريخي غني، يعكس قوة الكتابة في نقل الألم والأمل معاّ.


