تحت راية السلام: النقابات العمالية في مواجهة الاستغلال والدمار

0
4
فلاح هاشم

في أغنيته الشهيرة “عمي يا بو شاكوش”، يوجّه الفنان العراقي المناضل جعفر حسن رسالة صادقة ونابضة إلى الطبقة العاملة، يقول فيها: “حتّى أشوف أزنود سمرة../ تخاف من عدها الحديد/ تمر بينا أورود حمرة../ تبني عالمنا الجديد/ تحقّق لنا أحلامنا../ وتبني كل آمالنا/ وتمنح الحب والتآخي/ لمن يريدون السلام.”

إنها تعبيرات صادقة وجميلة، تعكس أحلام وتطلعات الكادحين نحو بناء عالم خالٍ من الحروب والاستغلال، تسوده قيم العدل والحرية، تكشف عن جوهر العلاقة الوثيقة بين الطبقة العاملة وتطلعاتها نحو حياة كريمة وعدالة اجتماعية، وبين حركات السلام حول العالم؛ فهي علاقة تحالف استراتيجي بين من يؤمن بالبناء والتنمية والتقدم، ومن يسعى إلى الدمار والقتل.

فالحروب لا تقتصر آثارها على خسائر الأرواح فحسب، بل تمتد لتدمير البنى التحتية، واستنزاف الموارد الاقتصادية، وإحداث انهيار في النسيج المجتمعي، فضلًا عن ما تخلّفه من آلام وكوارث تمحو ما بناه العمال والكادحون بجهودهم وعرقهم.

وفي المقابل، يعمل تجار الحروب وكبار حيتان المال العالمي، عبر قيادات الدول الاستعمارية وسياساتها، على إشعال الصراعات والنزاعات لتكون مصدرًا رئيسيًا لتعظيم ثرواتهم واستمرار استغلالهم الجشع لشعوب وموارد العالم، لا سيما في بلدان ما يُسمى “العالم الثالث”. فبدلًا من توجيه هذه الثروات والموارد نحو تنمية المجتمعات وتحسين ظروف المعيشة والعمل للجميع، وخاصة الطبقة العاملة التي تمثلها النقابات والحركات العمالية، تُهدر خيرات الشعوب في الحروب، عوضاً عن أن تُخصص لرفع الأجور وتطوير بيئات العمل، وهي المهمة الأساسية التي تناضل من أجلها هذه الحركات.

وتتعدد الأمثلة على مواقف النقابات والحركات العمالية المناهضة للحروب، ودعمها لحركات التضامن الدولي؛ بدءًا من موقفها الرافض للحربين العالميتين الأولى والثانية، واعتبارهما “أرهب الشرور الإنسانية”، مرورًا بمناهضة التدخلات الأمريكية في دول أمريكا اللاتينية والكاريبي (ومنها تجربة كوبا عام 1959)، والحرب على فيتنام، وصولًا إلى حملات تضامن عمال شركة رولز رويس في اسكتلندا ضد انقلاب تشيلي عام 1974، وانتهاءً بتحركات عمال الموانئ في إيطاليا وفرنسا وغيرها من الدول، احتجاجًا على حرب الإبادة الجماعية في فلسطين.

وتأتي هذه المواقف في إطار إرث نضالي واسع في مواجهة قوى الشر والاستعمار، بهدف الضغط من أجل السلام ووقف النزاعات والأعمال العسكرية، من خلال قيادة مسيرات وأنشطة عمالية سلمية تدعو إلى تحويل ميزانيات الحروب نحو قطاعات التنمية والخدمات، كالتعليم والصحة والتوظيف، بما يضمن تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا