عن اتحادات الكتّاب في البلاد العربية

0
3

ليس هناك من يعترض على حقيقة أن ما يسمى باتحادات الكتًاب في البلاد العربية، أو بالأحرى في معظمها، حتى نتجنب التعميم، قد فقدت مصداقيتها عند الكتّاب والقراء معًا ولم تعد تمثل أي مركز لسلطة معنوية وأدبية .

كتب الباحث والأكاديمي السوري برهان غليون، لا يفسر المصير الذي وصلت إليه حالة اتحادات الكتّاب في البلاد العربية وجود الإرادة القاهرة للنظم السياسية الاستبدادية التي تريد أن توظف الأدب والكتابة كأداة من أدوات سيطرتها على المجتمع، ولكنه ينبع أيضًا من الكتّاب أنفسهم، بسبب التصور الذي كان لديهم عن مكانتهم ودورهم في النظام الاجتماعي والسياسي، أو بسبب غياب أي تصوّر أو مفهوم العمل الاجتماعي السياسي عندهم أو انعدام إرادتهم. والدليل على ذلك أن هذا الخراب المعنوي لا يمسّ الاتحادات الرسمية فقط، ولكنه يعمّ تلك التي تسيطر عليها، رغم قلة عددها، أحزاب المعارضة أيضُا، وأهمية هذه الملاحظة، نابعة مما ينجم عنها من استنتاج وهو أنه لا يكفي اليوم استقلال الاتحادات عن الدولة أو الأحزاب حتى تستعيد مصداقيتها وفعاليتها في أعين الأدباء والكتّاب أنفسهم وقبل ذلك في أعين الجمهور الواسع من القراء ومن خلفهم الرأي العام كله.

لقد سيطر على معالجة المحللين العرب لمشكلة المثقفين، أسلوب مبسط سطحي قائم على المعارضة المستمرة بين المثقف الذي يتعامل مع السلطة وذلك الذي يعارضها. وتكاد المسألة تختصر بين اتهام البعض للآخرين بخدمة السلطة واحتقار البعض الأخر لأولئك الذين تحوّل اعتراضهم على أي تعامل مع السلطة إلى أزمة طفولية تغطي العجز المطلق عن التأثير والفعل في أي مجال، بما في ذلك مجال الثقافة الذي احتكرته وسائل الدولة والأجهزة الإعلامية – الأمنية.

ويعتقد غليون أن المشكلة أكثر تعقيدًا من ذلك. ولا يمكن لنا أن ننجح في بناء اتحادات فاعلة دون مواجهة أسبابها العميقة، وهي تتلخص بسببين رئيسيين يتعلق الأول بمسألة السلطة والدولة ككل، أما الثاني فهو كامن في طبيعة وبنية مجتمع المثقفين أنفسهم، وموقعهم الحقيقي في الطبقة السياسية أو النخبة الاجتماعية الفاعلة، وبإختصار، لم يكن للمثقفين في النظام الاجتماعي السياسي العربي بوصفهم هذا، دور يذكر وذلك منذ نشوء الدولة العربية الحديثة. فالطبقة السياسية العربية عامة كانت ولا تزال حاصل تفاهم وتكاتف أشكال متنوعة من تحالف تكتلات العسكريين وجماعات الوجهاء والأعيان القدماء والجدد أو الاثنين معًا، وتجمعات المصالح والأعمال. ورجال هذه التكتلات هم الذين يحتكرون السلطة ويتقاسمونها، وهم الذين يضفون على النظام أساليب عملهم وقيمهم السائدة. ولم يتمتع المثقفون بمكانة محددة في نظام هذه النخبة التي تحتقر أساسُا الثقافة والمثقفين، وتعتبر ابعادهم عن السلطة برهانًا على نجاحها وانتصار قيمها، إلا عندما كان وجودهم داخل الأحزاب أو أجهزة الدولة يفيدها في توسيع قاعدتها الاجتماعية أو إضفاء الطابع الحضاري والمدني عليها، أي إلا بقدر ما ظلّوا أدوات في يدها. وفي العقود الأخيرة تمّ طردهم من السلطة بشكل جذري، أي طرد كل ما يعبر عن القيم الثقافية المرتبطة بوجودهم. ومن بقي مشاركًا فيها، بقي على أسس مختلفة كليًا.

 ينبع إخفاق المثقفين العرب في فرض أنفسهم على السلطة داخل الحزب الحاكم وفي صفوف أحزاب المعارضة معًا من انعدام التصور الصحيح والموضوعي للدور الذي يمكن لهم أن يلعبوه في مجتمعاتهم. وسبب انعدام هذا التصور ناجم هو نفسه عن عدم قدرتهم على تقدير وضعهم الخاص ومكانتهم وحجمهم الحقيقي وقدرتهم الموضوعية على التأثير في مجرى الأحداث التاريخية لشعوبهم. فهم يترددون بين نزعة نرجسية تعتقد أن السلطة أو السياسة أو التاريخ ينبع من فوهة الكاتب وعقله وكلمته السحرية، الأمر الذي يقودهم إلى نوع من الفصام الذي يمنعهم معرفة الوقائع السياسية والتعامل الجدي معها ومع التكتلات الأخرى المنافسة، ونزعة انهزامية قائمة على الشعور بالعجز وعدم القدرة المطلقة، الأمر الذي يدفعهم إلى التخلي عن العمل السياسي أو القبول بالتبعية المطلقة للتكتلات الأخرى من تكتلات النخبة. فبسبب أوهامهم عن أنفسهم وعن دور الذكاء أو المعرفة في تكوين السلطة والتاريخ، فقدوا القدرة على التأثير ومن ثم لم ينجحوا في تكوين تكتل مثل التكتلات الأخرى حتى يتسنى لهم المشاركة في الحياة العامة من منطلق آخر غير منطلق تقديم الخدمات للتكتلات المنافسة.

ولا يحل المشكلة اليوم بناء منظمة حرّة للكتّاب إذا لم يدرك الكتّاب طبيعة الدور العام الذي يقع عليهم مسؤولية القيام به، ولم يتم القبول الذاتي والطوعي للأغلبية به. وفي هذا المجال لا يختلف موقف التعامل التبعي مع السلطة كثيرًا عن موقف التخلي عن كل مسؤولية عامة أو سياسية إلا من الوجهة الأخلاقية.

إن الخطأ لا يكمن في انخراط المثقفين في المعركة السياسية لشعوبهم، داخل الدولة أو في صفوف الأحزاب المعارضة، ولكن عدم وجود تصوّر خاص للمثقف عن دوره الاجتماعي المتميز في هذه المعركة، ووجود هذا الدور هو الذي يجعل من هذه المشاركة شيئًا آخر غير البحث المشروع عن المصلحة الشخصية، ولا يمكن لهذا الدور أن يتبلور إلا إذا تبلورت الوظيفة الخاصة للمثقف والعمل الثقافي في العمل العام.

وبحسب رأي غليون، فإن هذه الوظيفة لا يمكن أن تكون إلا تجسيدًا للمبادئ والدفاع عنها. فإذا تخلى المثقف عن المبدأ تحوّل لا محالة إلى مرتزق مهما كان الحزب الذي يناضل من داخله، ولا يغير من هذه الحقيقة أن يجري استخدامه من قبل التكتلات العسكرية أو وجهاء الأحياء أو فئات المصالح والأعمال. وبالعكس تزداد مصداقية المثقف وقدرة المثقفين على بناء موقعهم ودورهم وقوتهم في الحياة العامة بقدر ما يتعاظم تطابق عمل المثقفين مع الدفاع عن المبادئ، ويتحدد دورهم كحماة لها، بصرف النظر عن الأحزاب والمواقع السياسية المختلفة والمتنوعة التي يجدون أنفسهم فيها.

بإختصار، إن النجاح في بناء منظمات مستقلّة، عند الكتّاب وغيرهم، مرتبط بالقدرة على تحديد دور نافع لها في النظام العام. وإلا فإن الاتحادات الجديدة سوف تجد نفسها موظفة لا محالة من جديد من قبل المؤسسات الدولية أو الأهلية التي تدرك بشكل أفضل دورها وأهدافها وأسلوب عملها.

كاتب بحريني وعضو التقدمي

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا