“طيران الخليج”.. إلى متى؟!

0
589

ربما لم تحظ شركة من شركاتنا الوطنية بمثل ما حظيت به شركة طيران الخليج، ناقلتنا الوطنية من اهتمام ومتابعة، على المستويين الشعبي والرسمي، فهذه الشركة التي ابتليت وعلى مدى عقود طويلة بوجوه عديدة من  الإهمال  المترافق مع الفسادين الإداري والمالي، وسط تبدل إدارات وطواقم تنفيذية، كثيراً ما أخفقت في إعادة شيئ من مجد هذه الشركة التي تأسست في البحرين مطلع  خمسينيات القرن الماضي،  وكانت يوماً شركة عملاقة بحق، تمثل أربع دول خليجية هي البحرين، قطر، وابوظبي وسلطنة عمان، وبعد ما جرى من تحولات إقليمية واقتصادية أصبحت مملوكة بالكامل لمملكة البحرين.  ومع تحولات الزمن واحتدام اجواء المنافسة اقليميا وقارياً، اصبح من المنطقي واالضروري أن تتجه طيران الخليج نحو الأسواق الإقليمية والدولية باستراتيجيات تسويقية وتشغيلية مختلفة، تأخذ في الاعتبار العديد من عوامل المنافسة وتحولات صناعة شركات الطيران والسفر.

إلا أن الملاحظ أن الإدارات المتعاقبة على ادارة الشركة، وبشهادة الجميع أخفقت اخفاقاً ذريعاً في الاستفادة على الأقل مما  راكمته من خبرات بشرية ومادية وفنية، وكان عليها على الدوام ومع قدوم كل رئيس تنفيذي جديد ان تبتدع شعارات وتوجهات جديدة يتمّ الترويج أنها ستنقذ الشركة من عثراتها المتكررة، سرعان ما تنسى، لنكتشف وبكل أسف أنها فقط تحمل عناوين بائسة تزيد اكثر من محنة الشركة، حيث مراكمة الخسائر وفقدان العديد من كوادرها البشرية المدربة، وقلّة حيلة مجالس اداراتها المعينة وطواقمها التنفيذية،  التي تميزت بشكل عام، أنها كانت في موقع المتلقي وليس الفاعل أو المبتكر لتوجهات جديدة، من شأنها استعادة ولو  شيئا من مجدها الذي بددته تلك الإدارات الفاسدة والمتسيبة والعاجزة، التي زادت من محنة الشركة وراكمت مديونيتها العالية، حيث اضطرت الحكومة أكثر من مرة أن تضخ مئات الملايين فيها،  ومن مصادر تمويلية مختلفة، وكلما دعت الحاجة لذلك، تحت عناوين مثل إنقاذ الشركة من واقعها أو الحفاظ على العمالة الوطنية فيها أو حتى إعادة الشركة للربحية..إلخ.  

الجدير ملاحظته هنا أن طيران الخليج كشركة طيران، من المفترض أن تكون هي المشغل الرئيس لمطار البحرين الدولي، الذي بات هو الآخر يشكو كثيراً خلال السنوات الأخيرة من تراجع كبير في عملياته التشغيلية جراء تراجع حركة الترانزيت من وإلى البحرين، خاصة بعد أن هجرته شركات طيران دولية مهمة، وجدت ضالتها في ما تشهده مطارات دول المنطقة من نشاط وحركة سفر وطيران قوية ومستمرة!

وأمام أوضاع مثل هذه تابعنا الكثير من وجوه التخبط الإداري وحتى الفوضى في القرارات، وعلى مستوى فتح الخطوط التي تغلق وتفتح لأسباب غير مفهومة او حتى مدروسة، إضافة طبعا إلى ما خلقته الأجواء السياسية في المنطقة من انعكاسات سلبية على قرارات الشركة وخططها التشغيلية، يضاف إليها بكل تأكيد صعوبة الأوضاع المالية القائمة التي تحدّ كثيراً من أي فكرة للتوسع وفتح خطوط جديدة!

كل ذلك وغيره يمكن فهمه، ونتفاعل معه، لكن الشيء الذي يصعب فهمه هو الإصرار على المضي في سلسلة قرارات متخبطة تزيد من حدّة تراجع الشركة وتقلص ما تبقى لها من تنافسية مرجوّة، ونذكر هنا أن التعيينات في المناصب العليا بالنسبة للإدارة التنفيذية أخذت وجوهاً غير مقبولة وحتى مفهومة من التخبط، ويمكننا القول إن طيران الخليج لم تشهد استقراراً إدارياً  على الأقل خلال العقدين الأخيرين، فقد شهدنا استقدام رؤساء تنفيذيين من مختلف بقاع الأرض، ميزتهم الوحيدة أنهم فشلوا في ادارة شركات مهمة في بلدانهم، ووصل  الأمر ببعضهم أن يطردوا من شركاتهم السابقة  بعد أن افلست، ومن ثم اغلقت أبواب البعض منها، فيما البعض الآخر منهم طرد بالفعل بسبب ما راكمه من خسائر  اضطرت المسؤولين في تلك البلدان للمسارعة في التخلص منهم.

آخر هولاء من اعلن عن تعيينه مؤخرًا رئيسا تنفيذيا جديدً  لطيران الخليج سيبدأ مهمته في شهر نوفمبر من هذه السنة، وبالطبع نحن لا نعرف هذا الشخص وقدراته ومدى كفاءته، لكننا تابعنا ما كتب ويكتب عنه في بلده، كما تابعنا بعضا من مواقفه وتوجهاته التي كان من المفترض أن تدرس جيدا، قبل مجرد التفكير في استقدامه، ولنا كل الحق أن نتساءل كيف تمّ اختياره وما مدى كفاءته وما الذي بإمكانه أن يقدّم لطيران الخليج وهو الذي للتو طرد من منصبه في شركته بسبب  الخسائر  غير المسبوقة التي حدثت في عهد؟!

اكثر ما يثير في الأمر هو الإعلان الصادر عن مجلس ادارة طيران الخليج والذي جاء ردا على بيان كتلة “تقدّم” البرلمانية وفي ذات اليوم، من ان الرئيس التنفيذي هذا يمتلك سجلاً عظيماً في إدارة شركات الطيران وخبرات عالمية في عودة الشركات للربحية، علاوة على أنه سوف يهيء لتدريب كفاءاتنا الوطنية!

نتساءل، عن اي خبرات عالمية يمكننا الركون اليها ؟ وعن أي ربحية كان قد أعادها وهو المطرود للتو بسبب مراكمة الخسائر لشركته تلك؟! أو لم نقل ذات الشيء عن امكانيات سلفه ومن جاء قبله؟! وأيضاً نتساءل هل بالفعل نحتاج نحن في البحرين لمن يأتي  من شركات مفلسة ومكسورة ليدرب أبناءنا من العاملين في طيران الخليج، الشركة التي لديها رصيد بارز من الكفاءات المتميزة، التي وبشهادة الجميع أسست وبنت وأسهمت في قيام شركات إقليمية عملاقة  ورابحة خارج حدودنا، فقط لأنها أعطيت الثقة والتقدير واطلقت قدراتها لتبدع وتصنع مجدها وتمارس كفاءتها بكل حرية  خارج الحدود؟!

اسئلة وتوجسات أبثها هنا باعتباري مواطناً، بالدرجة الأولى، وأحد المهتمين والعاملين  والمتدربين سابقا في طيران الخليج، وكذلك باعتباري رئيس إحدى لجان التحقيق  البرلمانية في أوضاع هذه الشركة المنكوبة بكل أسف، بفعل ما يتخذ من قرارات غير مدروسة لا يفهم منها أحياناً إلا أنها قرارات مدمرة لا تساعد أبدا على إصلاح الأوضاع في ناقلتنا الوطنية، وعلينا أن نعيد نطرح السؤال المتكرر .. إلى متى يا طيران الخليج؟!