البحرين والمنطقة وسط عالم يتغوّل!

0
57

بكل المقاييس يبقى الوضع الاقتصادي في البحرين مقلقاً إلى حدٍّ كبير، ليس لصناّع القرار لدينا فحسب، وإنما ايضا بالنسبة للأسر والأفراد أيضاً، وبالمثل يتابع الشارع التجاري  بمؤسساته الصغيرة والمتوسطة والكبيرة عن قرب العديد من المؤشرات والأرقام والتحديات، بل والتراجعات المخيفة حقاً.

 لا نقول ذلك من منطلقات تعزز النظرة السلبية لدى المتابعين، وإنما هي لغة الأرقام والحقائق التي من الصعب أن نغضّ الطرف عنها تحت أي مسمى كان.   لذلك نجد أنّه من الضرورة بمكان أن نلتفت جيداً لكل ذلك، محاولين ايجاد الحلول والبحث عن المسببات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من تراجعات نتمنى ألا تستمر. 

 لكن في البدء دعونا نعترف أن العالم في المجمل يمرّ بحالة غير مسبوقة من عدم اليقين، إن شئنا الدقة، كون ما يجري أو يدور في عالمنا  لا يبعث بدوره على التفاؤل أبداً، خاصةً حين تتهاوى الكثير من الأنظمة وتشتعل الصراعات في مناطق النفوذ والهيمنة، والتي بدورها تبقي العديد من الدول والاقتصادات التابعة، على وجه التحديد، في حالةٍ مستمرة من الترنح الانتظار والترقب، حيث يتراجع منسوب التنمية، وتتقلص معدلات التعاون الدولي بشكل مؤثر، وتتضخم مديونيات الدول الكبيرة منها قبل الصغيرة وتبدأ العديد من المنظومات والتكتلات الاقتصادية المؤثرة في التفكك التدريجي، كما يحصل على سبيل المثال بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي، التي أوصلتها الحرب الاوكرانية الروسية لحالة من الانقسام الداخلي، والتباعد مع أكبر حليف اقتصادي وسياسي وعسكري ممثلا في الولايات التمتحدة الاميركية، خاصة بعد مرور قرابة العام للفترة الرئاسية الثانية للرئيس ترامب، الذي تثير تصرفاته ونرجسيته الكثير من المخاوف والارتباك والتحسبات بالنسبة لكل صنّاع القرار حول العالم، وذلك ما شاهدناه بوضوح في تعاطيه مع قضايا على درجةٍ كبيرة من الحساسية والأهمية لحالة الاستقرار العالمي.  فها هو، اي الرئيس ترامب، يثر مخاوف حلفاءه الأوروبيين، قبل بقية الدول، كبيرها وصغيرها، وهو يتعاطى بإنعزالية وقرارات تتباين كثيراً مع السياقات التقليدية التي دأبت عليها العلاقات الأوروبية-الاميركية، بل والسياقات الدولية برمتها، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى الآن.

وبعيداً عما احدثته تلك السياسات من  تباعد المصالح الدولية وتغوّل القرارات، والتي ربما ساهمت الحرب الاوكرانية الروسية والحرب الصهيو- أميركية على غزّة، في تعزيز حالة الانقسامات الداخلية والخارجية بالنسبة للدول والمجموعات الاقتصادية على حدٍّ سواء،  حيث يأتي ذلك بعد ان استفاق العالم للتو من تبعات جائحة كوفيد-19 والتي تعطلت معها سلاسل الإمداد العالمية، وتشكلت في المقابل كتل اقتصادية وسياسية بدأت تأخذ لنفسها حيزاً مؤثراً في رسم الجغرافيا السياسية الجديدة للعالم، التي بدورها تتوعد عالمنا بمعطيات جديدة هي مثار ترقب ورصد من قبل القوى المؤثرة في القرار الدولي.  

وحين تغيب الحكمة  والخبرات التراكمية السياسية لدى الكثير من ساسة العالم، خاصة على مستوى الدول الأوروبية المؤثرة، وتضمحل حالة ما يعرف اليوم بالصبر الاستراتيجي في ظلّ الاندفاع المحموم نحو إشعال العديد من الحروب  والفتن حول العالم، على خلاف ما يدعيه الرئيس ترامب مراراً وتكراراً  الذي جاء بوعود انتخابية عنوانها تقليص وإطفاء العديد من الحروب المشتعلة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، حيث يعلن رئيس الولايات المتحدة أنه يتطلع بذلك أن يحوز على جائزة نوبل للسلام!!

أي “سلام” هذا الذي علينا أن ننتظره من إدارة تفتعل حروباً، وتستولي على مقدرات شعوب في آسيا وأميركا الجنوبية والشرق الأوسط لتبقي بارونات  مصانع أسلحتها منتعشة إلى أقصى حد ممكن، لنجدها تفتعل حرباً غير مبررة لا في الزمان ولا حتى المكان، مع فنزويلا المسالمة فيما تستمر في حصار كوبا وروسيا وإيران، كل ذلك من أجل المزيد من الهيمنة وبسط النفوذ بصورة غير مسبوقة، وتحت دعاوى مثل محاربة الإرهاب، أو تهريب المخدرات، أو محاربة قوى التطرف ومعاداة السامية،  وهي بذلك تستعد لحربها القادمة مع الصين. في مثل هذه الأوضاع يصبح من الصعب التنبوء بمآلات ما يجري في عالمنا في الوقت الراهن.

لذلك، ونحن نتابع كل ما يجري من حولنا وفي العالم، يحقّ لنا نحن هنا في البحرين، وطناً وقيادة سياسية وشعباً أن ندعو لتعزيز حالة الاستقرار والتنمية على المستوى المحلي عبر برامج وخطط تستطيع أن تستوعب هذا الذي يجري من حولنا، حفاظا على أمننا الاجتماعي والمعيشي والاقتصادي، كما أن علينا ألا نستسلم أو نستهين، لا سمح الله، لما يملى ويفرض على بلداننا من اجندات هي في واقعها اجندات محفزة لتراجع الاستقرار والأمن المجتمعي، وتستند اساساً على خلق مبررات توظف ما نمر به من مصاعب  وتحديات اقتصادية ومعيشية، انطلاقا مما يحاول صندوق النقد ان يزجيه من نصائح وحلول نحن في غنى عنها، وهي في واقعها حلول نعرف مآلاتها وانعكاساتها، خاصة ونحن نعيش تحديات اقتصادية ومعيشية صعبة تتمثل في ازدياد معدلات البطالة وتوسع شرائح الفقر وتقلص الطبقة الوسطى، وتضخم الدين العام وزيادة عجوزات الميزانية العامة للدولة وتراجع الاستثمارات الخارجية، وتراجع التصنيف الائتماني للبحرين وغيرها من المصاعب.

علينا أن نشرع سريعا في ايجاد حلول وخيارات نحن نصنعها بحوارات وطنية خالصة، لتكون أقلّ إيلاماً وأقل كلفة اجتماعية، بدلا من القبول، بأجندات نعرف مسبقا كم هي مدمرة  لأوضاعنا المعيشية والاقتصادية، وعلينا أن نعتبر مما جرى ويجري في العديد من دول العالم التي رضخت لضغوطات وإملاءات الصندوق والبنك الدوليين والذي نعرف من يقف وراءهما، لتجد نفسها في دوامات لا تتوقف من التراجع والخراب والعنف والفوضى!