
في لحظةٍ فاصلةٍ بين الحياة والموت، يُروى أنّ الفنان العراقي فؤاد سالم، كابد الكثير في الحب بسبب الملاحقات الأمنية التي كان يتعرض لها لاختلافه السياسي مع النظام آنذاك. خسر امرأة كان يتمنى الزواج بها بسبب رفض أهلها له. وحين تزوج من مي جمال وأنجب منها الفنانة العراقية نغم، لم تتركه السلطات مستقراً في بلده مع الحب والأسرة التي حلم بها. ولدت أغنية “مو بدينه نودع الحبايب مو بدينه، والعشق لحظه عمر وتمر علينه، مو بدينه”، حيث تعبر هذه الكلمات عن ألم الفراق، عندما اضطر فؤاد سالم للهرب تاركا زوجته، مي جمال، في العراق، والتي رفضت اللحاق به في غربته، حتى يؤسس نفسه في الكويت ولم تلحق به في نهاية المطاف، فكانت خيبة الأمل.
ليست كل قصص الحب درامية لهذه الدرجة، ولكن كثيراً منها لا يشبه ما حلمنا به عندما نعيشها أو عندما يتسلل الوقت والضغوط الاقتصادية والاجتماعية عليها. حين لا يشبه الحب ما حلمنا به، لا يحدث الانكسار فجأة. لا يطرق الباب معلنًا حضوره، بل يتسلل بهدوء، كضيفٍ ثقيل الظل، يجلس بيننا دون أن ننتبه. في البداية، نظنّ أن كل شيء بخير. نبرّر المسافات الصغيرة، نصمت عن الخيبات الخفيفة، ونقنع أنفسنا أن الحب يمر بمراحل، وأن التعب عابر.
لكن شيئاً فشيئاً، تبدأ التفاصيل التي كانت تملأ القلب دفئاً في التلاشي. يصبح الكلام أقل، الكثير يحب ممارسة الصمت العقابي في الحب دون الوعي بأنه يقتله، ويصبح الاهتمام أخف، والنظرات أقصر. مع الأسف، لا يعود الغياب مؤلماً كما كان، بل يصبح مألوفا… كأننا تعودنا على النقص. في العلاقات، لا يكون الألم دائماً في القسوة، بل في البرود، في ذلك الشعور الصامت، بأنك تنتظر الاحساس بالأمان والتفهم اللذين اعتدناهما واختفيا، في ذلك الشعور بأنك تبادر أكثر مما تتلقى، وأنك تفسر، وتبرر وأنت مظلوم، وتنتظر أكثر مما ينبغي. أن تظلّ متمسكاً بصورةٍ قديمة للحب، بينما الواقع ينسحب منك بهدوء.
قبل الزواج، هناك دائما أحلام، ووعود جميلة، ولكن بعد الزواج صدمات تشمل عدم تقبّل كل صفات الشريك، وهناك نوع من النسيان البطيء للحب والسأم، نتغاضى عن كثيرٍ من العيوب بسبب الحب. لكن ما عسانا أن نفعل إن اختفى؟
نحن لا نحزن لأن الحب انتهى، بل لأننا ما زلنا نراه حيّاً في ذاكرتنا. نحزن لأننا تذكرنا كيف بدأ، وكيف كنا، وكيف كنا نظن أنّ الأمور ستسير. نحزن لأنّ الوعود التي قيلت بصدق، لم تجد طريقها الى الاستمرار. وربما أكثر ما يؤلم، ليس الخذلان نفسه… بل الصمت الذي لا يُفسر، والذي نحب اللجوء اليه للهرب من المواجهة. بدل أن نواجه مشاكلنا في سبيل الإصلاح، نختار الصمت الذي لا يفسر، ولا يعتذر عنه. كأن المشاعر التي كانت يوماً صاخبة، اختارت أن تختفي دون ضجيج.
هل هذا هو الحب الذي سنورثه لأبنائنا؟ نظل نحاول أن نفهم. أن نمنح الأعذار، أن نعيد ترتيب المعنى، أن نخفف من وطأة الحقيقة: أن الحب، أحيانا، لا يكفي وحده وأن النوايا الطيبة لا تحمي العلاقات من التآكل، إذا غاب الحضور، وغاب الاهتمام، وغابت الرغبة في الاستمرار. الزواج هو الرغية في المكافحة كل يوم من أجل المضي قدماً نحو الشعور بالأمان والاستقرار.
لماذا هناك زواجات تستمر مدى الدهر، بالرغم من أنها لم تبدأ بحبٍ صارخ، فيما تلك التي تبدأ بحبٍ كبير تنتهي في وقت قصير؟ نصبح حينها غرباء في قصةٍ بدأناها معاً.
حين لا يشبه الحب ما حلمنا به، نتعلم درساً قاسياً، لكنه صادق: أن الحب ليس ما نشعر به فقط، بل ما نفعله لأجله، وأن البقاء لا يحتاج إلى وعودٍ كبيرة، بقدر ما يحتاج إلى أفعال صغيرة … مستمرة دون انقطاع.
وفي النهاية، قد لا نجد تفسيراً واضحاً لكل ما حدث. قد تبقى الأسئلة معلّقة، والذكريات حيّة، والفراغ حاضراً لكننا، بطريقةٍ ما، نتعلّم أن نكمل. أن نُرمّم أنفسنا بصمت، وأن نعيد تعريف الحب، لا كما كان، بل كما يجب أن يكون.


