الفن الموسيقي هو الفن الوحيد من بين الفنون الذي يعتمد على الزمن، وذلك من حيث توقيت النغمات الايقاعية، وفي فواصلها تعتمد على دقة الزمن المبرمج، حيث يوظف بطريقة دراماتيكية متزامنة الرتابة والأصول، وإذا اعتمد الفن على العشوائية في الإيقاع الزمني يسمى (نشازاً)، فالفن تلقائياً يتفاعل مع الإيقاع والصوت والنغمة برتابة زمنية وبعناية دقيقة لكي تصل الأحاسيس للمستمع ليبلغ دروة الاستمتاع، حيث يبعد الكآبة والحزن والشرود عن النفس، وهذا هو السر في إنجاح معالجة العلة والتذمر عند الانسان، حيث يصبح دواءً شافياً.
يتحتم على الفنان الملتزم الالتزام بدقة موازين الفن الموسيقي الجاد لينجح في توظيف هذا الفن الرائع توظيفاً مؤثراً في كوامن الذات الإنسانية ليخرجها من الكآبة والتجهم والحزن إلى ساحات الفرح والسكينة الهادئة، من هنا ارتأيت أن أضع النماذج الفنية التي أثرت في كوامني نفسياً، حيث تنتشلني من آهات الكآبة والتقوقع إلى حالات الفرح والعلاج بالصوت الرخيم.
في السبعينات من القرن الماضي، حيث الحرب الأهلية اللبنانية مستعرة في معظم ربوع لبنان الجميل: فندق الهوليدي ان وقلعة الشقيف وحي السوديكو وفتحة الدفرسوار والكرنتينة ..إلخ، فالحرب دمّرت الكثير من لبنان، معالمه وعمرانه والكثير من بنيته التحتية، وقتل الكثير من خيرة أبنائها على أيدي الفاشية الموالية للصهيونية بقيادة العميل الفاشي سعد حداد الذي شكل (دولة جنوب لبنان)، بتمويل الموساد الإسرائيلي، حيث أسس معتقل (أنصار) الذي سقط فيه الكثير من المناضلين الفلسطينيين شهداء تحت التعذيب على أيد الفاشيين من اليمين المسيحي، ما أدى إلى بروز حركات احتجاجية عربية ودولية.
لقد توقفت عند الصوت (الصافي) الصادق المنبعث من رائحة التفاح والزيتون، من ميادين الحقول وبقاع الأرز. حيث يصدح صوت وديع الصافي من وسط باريس، من وسط عبق (الكولونيا). حيث شدا بصوته الجبلي الرخيم، معبراً عن حب المغترب المشتاق لوطنه، يغني بشوق الحبيب لحبيبته:
“جايين يا أرز الجبل جايين../اشتقنا لجبل نيحا لجبل صنّين/ تحت السّما ما في مثل لبنان../ لبنان أحلى وجّ أعلى جبين../ اشتقنا لبعلبك وقلعتها/ اشتقنا لزحلة لجرن كبّتها/ لبيت شْباب .. لإهدِن لحَصرون../ لصوفر لعالَيه لبحَمدون/ لجزّين للباروك لبعـَقلين../جايين يا أرز الجبل جايين.. جايين … إلخ
ثم يغني بصوت متهدج حنون خافت معبراً عن لوعة حبيب لحبيبته:
“شو صار مدري بحالها شو صار/لا علم من صوبها ولا أخبار/ بكتبلها بيعود مكتوبي/ مرتجع ما في حدا بالدار/ كل ما شفت انسان بستناه/ وبوقفو وبحكي أنا وياه/ تا يوصل المكتوب بترجاه/ يبتسم وبيفوتني محتار.. محتار/ وبيعملوا جلسات أهل الحي/ قال لازم شد حالي شوي/ قلتلهن اللي بإيدو مي/ مش مثل يلي في بإيدوه نار.. نار.. “.
وفي أغنية يعاتب أبنه مروان بنبرةٍ نصوح مليئة بالشجن:
“لوين يا مروان عامهلك/ عامين تارك أرضك وأهلك/ سنتين صارلي شايفك حيران/ ما كنت كلمة لوم وجهلك/ كنت قول بعدو ولد جهلان/ خلك يا ابني تفيق من جهلك/ توعّى توعّى شوي يا مروان/ خلّيك مع أهلك ولا تهلك”


