في زمن الحروب..الحكمة سيدة الموقف

0
59

كل  التقارير  والمؤشرات والمتابعات لما يدور في منطقتنا الخليجية، تشير بوضوح إلى أن الحرب الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة الأميركية ودولة الكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى منذ أسابيع سوف تخلف حتماً أوضاعاً اقتصادية ومعيشية وتبعات سياسية واجتماعية ضخمة، لا يمكن أبداً التقليل من انعكاساتها التي ظهرت للعلن ولم تعد مقتصرة على ما يدور من أحداث يومية حيث الصواريخ والمسيّرات وأصوات الإنفجارات التي تحوم فوق رؤوسنا!

المعلن بوضوح، هو أن دول المنطقة قد رفضت فرض هذه الحرب عليها، وهي التي تعلم تبعات مثل هذا القرار الاميركي – الصهيوني المنفرد بمصير المنطقة، خاصة إذا ما علمنا أن المخططات الإمبريالية الموضوعة أصلاً لمصير ومستقبل المنطقة والتغيرات الجيوسياسية المرسومة منذ سنوات، بما فيها المشروع الصهيوني الذي توالت على متابعته وتنفيذه الإدارات الأميركية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق هنا بين إدارات يقودها الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، أو ما يسمى بحزب العمل أو الليكود.

رئيس وزراء الكيان الصهيوني أعلنها مراراً  وأبان حرب غزة التي لم تنته فصولها بعد، ان تغيير وجه المنطقة ضرورة لتحقيق الاستقرار والسلام والتعاون والازدهار!  كما يأمله هو، وقد اعلن ذلك من فوق اعلى منبر اممي في الأمم المتحدة.  لذلك يصبح من نافلة القول ان منطقتنا الخليجية والعربية باتت معنية بالأساس من قبل حكوماتها وبرلماناتها وأحزابها السياسية وشعوبها ومنظماتها المدنية بضرورة التصدي لمهمات كبرى يفترض أن ترتسم من خلالها ملامح المستقبل المنشود لهذه المنطقة، بالاستناد إلى مصالح الشعوب والأنظمة على حدٍّ سواء، لا فرق هنا بين أنظمة ملكية أو جمهورية أو غيرها.

 فالكل أصبح معنياً  بالقيام بدوره في صنع مستقبل أفضل للمنطقة التي ابتليت بحروب ومشاريع استعمارية  وفتن وانقسامات لا تريد ان تنتهي، باعتبارها منطقة مصالح حيوية للعالم، فالمخاطر المنتظرة ليست مجرد حبر على ورق، بل هي مشاريع تنفذ قولاً وعملاً على أرض تزلزلها كل يوم أفعال تلك المخططات والمؤامرات التي يستفيد منها تجار الحروب وشركات السلاح  والقوى الاستعمارية، في ظلّ عالم تشي كل مؤشراته أنه لايزال أمامه الكثير من الحروب الصغرى والكبرى القادمة، طالما استمرّ هذا السعار الذي تغذيه القوى الاستعمارية الطامعة لتحقيق نزواتها ونزوات قادتها التي تفصح كل يوم عن وجوه متعددة من صراع الهيمنة على العالم بأسره.

أمام كل ما يجري من حولنا من تشابك وتداخلات مهلكة لعالمٍ باتت تتربص به كافة أشكال المؤامرات وشركات تكنولوجيا السلاح وضخامة ترساناتها،  والجيوش الجرارة  والقواعد العسكرية المسخرة أصلاً لحماية مصالح دول كبرى، وشركات سلاح  تدير حروباً وتوظف لوبيات عسكرية وسياسية كبرى، لم تعد تتورع في الإعلان صراحة عن نواياها وخططها لعالم تهيمن فيه تلك القوى  الكبرى، محتفظة بمصالحها التي لن تساوم عليها أبداً لصالح دول وشعوب ضعيفة أو ممزقة أثبتت التجارب أنها غير قادرة على حماية سيادتها  ومصالحها أو مقدرات شعوبها، أمام كل ذلك تصبح دولنا الخليجية والعربية تحديداً، معنية أكثر  بالتفكير في كيفية حماية مستقبل المنطقة وحماية مصالحها الاستراتيجية والوطنية، وإعادة التفكير جدياً في جدوى الانخراط  في معاهدات أو حتى أحلاف يبدو ظاهرها وردياً أو مبشراً،  لكن مضمونها وعنوانها الرئيس هو بسط الهيمنة على قرار المنطقة وخيرات شعوبها، دون أدنى اعتبار لمصالحها واستقرار أنظمتها وشعوبها.

 من هنا يبدو أن مشاريع تمزيق وإضعاف دول المنطقة بالصراعات والمؤامرات  هي إحدى حلقات وملامح مشاريع الهيمنة تلك، طالما بقيت دولنا وشعوبنا تعيش تحت رحمة هاجس الخوف من المستقبل والانقسام والتفتت من الداخل والعدوان الكامن على الدوام من الخارج، ليصبح لزاماً علينا جميعاً  مسؤولية التفكير في العودة لمشتركاتنا، أنظمة وشعوباً، لصياغة مشروعٍ  يفهم جيداً تحولات العالم من حولنا ويكون قابلاً للحياة والاستمرار، ويحظى بدعم الشعوب أساساً، حتى يضمن شروط استمراريته وتطوره، ويتحسب جيداً لمصالح الأنظمة والشعوب بالدرجة الأساس، ويقرأ جيداً حساسية أوضاعنا الاجتماعية والسياسية وتداخلاتها، وتجاوز كل ما يمكن أن يعيق تشكّل  المد الوطني الذي يستطيع أن يرسم معالم النهوض وآفاقه المستقبلية حتى نضمن الزخم الجماهيري المرتجى منه. 

ومن هنا يمكننا القول إن نقطة البدء يجب أن تنطلق من تعزيز تلاحم كافة القوى والمكونات والشرائح والفئات وضرورة الإسراع في مغادرة ما حملناه من أعباء اجتماعية وانقسامات مجتمعية، أضعفتنا كثيراً ولعقودٍ طويلة، إما بفعل بعض الانحيازات المذهبية أو الطائفية أو القبلية أو العشائرية التي تغذيها آلة إعلامية ضخمة أضحت تستند بغباء وبوعي أحايين كثيرة على ما يشهده العالم من تطور تكنولوجي  غير مسبوق وبقايا إعلام مشوّه، حيث أدخلنا إلى كل ذلك عنوة، وكم يحتاج هذا لعمري لوعي جديد وفكر منفتح على الآخر يفهم طبيعة الصراعات الدائرة ويقرأ جيداً نسيجنا الاجتماعي بشكل مسؤول وحسّ وطني جامع، وطبيعي أن ذلك يحتاج لصبر ونفس يتجاوز حدود الأفراد والجماعات ليدخل ضمن مسؤوليات الأنظمة والتيارات الاجتماعية بالدرجة الأساس.

نقول هذا ونحن نعيش فصولاً من حرب فرضت على منطقتنا لا ناقة لنا فيها ولا جمل، واعتداءات بالجملة على بلداننا ، نحاول أن نتعايش مع انعكاساتها التي توعدنا كل حين بأيام نرجوا ألا تكون مدمّرة لكل ما هو جميل في واقعنا الموعود دوماً بحروب الآخرين على آراضينا وعلى شعوبنا ضمن حلقات صراع عالمي ممتد  على المصالح والثروات والموارد، يحتم علينا أن نعرف جيداً موقعنا منه أولاً، وأين تكمن مصالحنا الحيوية فيه، وكيفية الخروج منه بأقل الخسائر، عوضا عن الانجرار إليه.. فتلك طريق الحكمة!