العامل البحريني بين إرث النضال وتحديات الحاضر

0
4
غسان مدن

اختلفت الأزمنة وتبدّلت الوجوه، غير أن العامل البحريني ما زال يحمل الهمّ ذاته، ويواجه التحديات نفسها وإن تغيّرت أشكالها. فمنذ تشكلت الطبقة العاملة في البحرين والذي ارتبط بشكل وثيق بـاكتشاف النفط في ثلاثينيات القرن العشرين، وتأسيس شركة نفط البحرين (بابكو)، وانخرط آلاف البحرينيين، من جميع الاعمار شباب ويافعين في القطاع الصناعي، كان العامل هو الأساس الذي شُيّدت عليه اللبنات الأولى للحضارة الصناعية التي نفخر بها اليوم.

 في تلك المرحلة، لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. ففي تلك الحقبة، عانى عمال شركة نفط البحرين (بابكو) وغيرها من المنشآت من ساعات عمل طويلة، وأجور متدنية لا تتناسب مع الجهد المبذول وعلاقات عمل بعيدة عن اية معايير انسانية وحقوقية، وغياب شبه كامل لأدنى معايير السلامة المهنية   إلا أن قسوة الواقع آنذاك ولّدت وعيًا عماليًا مبكرًا، دفع العمال إلى توحيد صفوفهم، ورفع صوتهم عاليًا، وإطلاق نضال جماعي مهّد الطريق للأجيال اللاحقة، ورسّخ مكتسبات لم تكن لتتحقق لولا التضحيات الجسيمة.  والتي عبرها انتزعت مكتسبات تاريخية كالإجازات مدفوعة الأجر، وتحديد ساعات العمل، والحق في التنظيم النقابي. لم تكن تلك المكتسبات هبة، بل ثمرة تضحيات جسيمة.

 اليوم، يعود المشهد ذاته ولكن بملامح جديدة. فالتحديات لم تختفِ، بل أعادت إنتاج نفسها بأساليب أكثر تعقيدًا. خاصة مع ما تشهده الساحة من تعددية نقابية غير ناضجة، وفهم قاصر لمفهوم الحرية النقابية. فبدل أن تكون هذه التعددية عامل إثراء وقوة، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى سلاح يُستخدم ضد العامل نفسه. حيث انشغلت بعض القيادات النقابية بصراعات داخلية ومنافسات شخصية، أو بمطالب غير مدروسة، ما أضعف الخطاب العمالي، وفتح الباب أمام التشكيك في عدالة المطالب الحقيقية، وأضرّ بقدرة الحركة العمالية على حماية حقوق منتسبيها.

أمام هذا الواقع، يجد العامل البحريني نفسه اليوم في معركة متعددة الجبهات. فهو يصارع أرباب العمل لتحصيل حقوقه، ويدافع عن مكتسبات تاريخية انتزعتها الاجيال السابقة من العمال بعرقهم وتضحياتهم، وفي الوقت ذاته يواجه صراعات داخل الحركة العمالية نفسها. ويزداد هذا العبء ثقلاً في ظل توجهات وسياسات منحازة في غير صالح العمال، وهيمنة  (قوى) الرأسمالية المتوحشة على مفاصل الاقتصاد، ما جعل شريحة واسعة من المجتمع تعيش على حافة القلق والعوز.

ومما يزيد الطين بلة، أن هذه الصراعات الداخلية تترافق مع تحديات عدة اهمها زيادة نسبة البطالة ومحدودية فرص العمل ، وتنامي أزمة صناديق التقاعد. فالتقارير عن احتمالية عجزها عن تأمين مستحقات المتقاعدين الحاليين والقادمين تؤسس الى فقدان الثقة في نظام التأمين الاجتماعي  كنظام تكافلي يقوم على التضامن بين الأجيال. ويساهم في تحقيق درجة من العدالة الاجتماعية

إن إعادة بناء حركة عمالية قوية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية واقتصادية. فالدول المتقدمة لم تبنَ على أكتاف أفراد يعانون، بل على سواعد عمال مكرمين ومنتجين. لكن كيف يمكن ذلك؟

البداية تكون بإصلاح ذات البين النقابي، والانتقال من منطق التناحر إلى منطق التنافس في تقديم الخدمات للعمال. وهذا يتطلب تطوير أدوات العمل النقابي، والتقدم مطالب مدروسة وقابلة للتحقيق، بدلاً من الشعارات الفضفاضة.

على المستوى الوطني، لا بد من فتح حوار جاد وشامل حول ملف التأمينات الاجتماعية، لا يقتصر على خبراء المال فقط، بل يشرك ممثلين حقيقيين عن العمال والمتقاعدين. حوار يناقش حلولاً مبتكرة لضمان استدامة الصناديق دون أن يتحمل الطرف الأضعف (العامل) وحده تبعات الإصلاح.

يبقى العامل البحريني هو الركيزة الأساسية لأي تنمية. ومن حقه علينا – دولة وأرباب عمل ونقابات – أن نضمن له حياة كريمة أثناء وبعد العمل. ليست هذه منّة، بل هو استحقاق طبيعي لمن بنى هذا الوطن بعرقه وكفاحه. فهل نستعيد روح الاتحاد لمواجهة تحديات لا تعترف إلا بالصف الواحد؟ 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا