يحتفل العمال وسائر الكادحين في العالم بالأول من مايو/ أيار عيد العمال العالمي، كل عام، حيث تمَّ إقراره من قِبل الأممية الثانية في العام 1889، على أثر إضرابات العمال التي جرت في شيكاغو عام 1886، مطالبين بتحديد ساعات العمل في اليوم إلى 8 ساعات، فحاصرتهم الشرطة وأطلقت الرصاص عليهم وسقط العديد منهم ضحايا جراء ذلك، لهذا اختارت الأممية الثانية الأول من مايو الذي سقط فيه العمال شهداء تخليداً وإجلالاً لهم، ليصبح رمزاً للطبقة العاملة ونضالاتها ضد جشع الرأسماليين وأرباب العمال، وتقديراً لتضحيات العمال وسائر الكادحين في العالم، وأصبحت العديد من الدول تحتفل به، كإجازةً رسميةً تعطِّل فيه الأعمال في تلك الدول .
وحسب شهادة للرفيق المناضل عبدالله الراشد البنعلي، الشخصية القيادية البارزة في جبهة التحرير الوطني، في مقابلة أجرتها معه نشرة “الفجر” التي كانت الجبهة تصدرها في الخارج، في عددها الصادر في فبراير 1980، والمكرّس للذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس الجبهة، فإن أول احتفال بمناسبة عيد العمال العالمي كان في عام 1955 بعد شهرين ونصف على تأسيس جبهة التحرير الوطني التي تأسَّست في 15 فبراير 1955، حيث قال الرفيق أبو غسان: “انطلق الباص من منطقة النعيم بالمنامة، من بداية شارع البديع إلى أحد البساتين، هناك أُلقِيَت الكلمات، وغنَّى الحضور الأغاني والأناشيد الأممية في هذه الذكرى”.
لقد مضى واحد وسبعون سنة على ذلك الاحتفال، وظلّت رفيقات ورفاق وأنصار جبهة التحرير يحتفلون به طوال تلك السنوات الماضية بأشكال مختلفة.
وفي كتابه (التجربة الموءودة، الحياة الديمقراطية في البحرين)، الصادر في عام 2010، كتب النائب السابق علي ربيعة عن “كتلة الشعب” اليسارية المدعومة من جبهة التحرير، وهو يتناول ما أسماها “معركة عيد العمال”: “هناك العديد من العرائض والرسائل العمالية المرسلة إلى المجلس الوطني على هذا المطلب، ففي عام 1973 شهدت البحرين أول احتفال بعيد العمال وكان ذلك في صورة التوقف عن العمل لمدة ساعة واحدة في مواقع المنشآت الهامة مثل المطار وبابكو وألبا، الميناء، براون أند روت، ديلونج ويمبي. وبحكم الأجواء القمعية فقد تمَّ التحضير لهذا الاحتفال المحدود عن طريق توزيع المناشير الداعية للتوقف عن العمل، ووفاء بتعهداتها بالعمل على شرعية هذا العيد تقدَّمت “كتلة الشعب” في الثامن والعشرين من إبريل 1974، باقتراح برغبة لاعتبار الأول من مايو عيداً للعمال، ولكن هذا الاقتراح لم يحالفه النجاح بالرغم من حصوله على تسعة عشر صوتاً والسبب في ذلك وقوف (الكتلة الدينية) إلى جانب الحكومة في معارضة الاقتراح.”
ويواصل علي ربيعة حديثه بالقول: “الكتلة الدينية اعتبرت هذا العيد بدعةً ودخيلاً على الأعياد الدينية، بينما الحكومة اعتبرت هذا العيد تقليداً خاصاً بأكثر الدول ذات العقل الراديكالي، حسب ما أشار إليه السفير البريطاني في بريده المرسل إلى الخارجية في 29 إبريل 1974. (يقصد الكاتب السفير البريطاني في البحرين في مراسلاته مع وزارة الخارجية البريطانية). في هذه الرسالة يشير السفير إلى الضغط الذي مارسه اليسار من أجل الإعلان عن الأول مايو عطلة رسمية وكيف أنه كان مصمماً على عدم التنازل بالرغم من تهديدات الحكومة.
في مساء يوم الأربعاء الأول من شهر مايو 1974 شهدت البحرين أول احتفال علني بعيد العمال في مقر نادي البحرين بالمحرق، وكان المقرر أن يتمَّ هذا الاحتفال في نادي رأس رمان، لكن وزارة الداخلية سارعت لمنع النادي من إقامته، حضر الحفل ما يقارب الألف ومائتين من العمال والنشطاء السياسيين، تحدّث فيه كل من النائب رسول عبد العلي الجشي والنائب الدكتور عبد الهادي خلف، النائب علي ربيعة والناشط العمالي عبد الواحد أحمد.
في كتابه المشار إليه يقول النائب علي ربيعة: “بعد مرور سنة واحدة على الاقتراح برغبة عاودت (كتلة الشعب) طرح الموضوع وكان ذلك في الجلسة الثامنة والثلاثين المنعقدة في العشرين من أبريل 1975، لتتم معارضته من قبل أعضاء الكتلة الدينية “.
تمَّ حل المجلس الوطني في 26 أغسطس 1975، واُعتُقِل العشرات من اليساريين من أعضاء جبهة التحرير والجبهة الشعبية، وبعض نواب “كتلة الشعب” التي فازت في انتخابات 7 ديسمبر 1973 بثمانية نواب من أصل 30 نائباً منتخباً، وجمدت بعض مواد الدستور، وعاشت البلاد في حقبة قانون أمن الدولة ربع قرن، حتى حدث الانفراج السياسي في فبراير 2001 في عهد جلالة الملك حمد بن عيسى اآل خليفة، وتمَّ التصويت على ميثاق العمل الوطني في 14 و15 فبراير 2001، فعاشت البلد عهدا جديداً، تحققت فيه بعض المكاسب المهمة، وكان أهمّها تشكيل الجمعيات السياسية بشكل علني لأول مرة في البحرين، وتأسيس النقابات العمالية والعديد من منظمات المجتمع المدني .
وفي الأول من مايو عام 2002 نظَّم المنبر التقدمي مسيرة في المنامة بمناسبة عيد العمال العالمي شارك فيها المئات من العمال والموظفين والنشطاء السياسيين، بقيادة القائد الوطني الراحل الرفيق أحمد الذوادي رئيس مجلس إدارة المنبر التقدمي آنذاك، الذي القى كلمة في نهاية المسيرة، لتكون بذلك أول تظاهرة عمالية بمناسبة عيد العمال العالمي شهدتها البحرين في فترة الانفراج السياسي، وتلا ذلك صدور مرسوم رقم (40) لسنة 2002، بتعديل بعض أحكام المرسوم الأميري رقم 5 لسنة 1973 بشأن العطلات الرسمية بإضافة يوم العمال العالمي الأول من مايو عطلة رسمية.
ومنذ عام 2003 حتى عام 2015 ظلّ الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين المنبر التقدمي وجمعيات سياسية أخرى، تنظم المسيرات بمناسبة عيد العمال العالمي يشارك فيها المئات من الأعضاء والأصدقاء، وكانت آخر مسيرة في عام 2015، بعدها تمَّ منع المسيرات والتظاهرات بهذه المناسبة من قبل الجهة الحكومية المعنية بالترخيص، ومواصلة لتقاليد في الاحتفاء بالمناسبة، استمرّ المنبر التقدمي بالاحتفال السنوي بعيد العمال في مقرّه بمدينة عيسى.
إن تأسيس النقابات العمالية وإقرار إجازة رسمية في عيد العمال العالمي، شكَّلا انعطافه سياسية ونقابية هامة في التاريخ المعاصر لبلادنا، وكل ذلك تحقق بفضل تضحيات الروّاد الأوائل من النقابيين الذين دفعوا الثمن باهظاً بالسجن والمنفى والفصل من العمل، وبعضهم حُرِموا حتى من الحصول على الضمان الاجتماعي، وهي مناسبة لأن نستذكر رفاقنا النقابيين ومناضلي حركتنا الوطنية، الأحياء منهم والراحلين وتضحياتهم الغالية.


