
يقول الكاتب التشيكي الشهير فرانز كافكا: “البطالة بداية كل شر”. يعبّر في مقولته هذه عن نظرة فلسفية تربط بين العمل والإنتاجية واستقامة النفس الإنسانية، معتبرًا أن غياب العمل يفتح الباب أمام الانحراف واليأس والاغتراب النفسي.
وعندما يدخل العاطل شيئًا فشيئًا في مرحلة التهميش، ويفقد أهم مقوّمات الحياة، ويبدأ في التحوّل إلى المرحلة الخطيرة، وهي المسكنة والجوع، فإنه يفقد جزءًا من إنسانيته، خصوصًا في ظل الرخاء الاقتصادي ووجود عمالة وافدة فرضتها سياسات العمل، حيث فضّل أصحاب العمل العمالة الوافدة بديلاً عنه تحت ذرائع اقتصادية واهمة.
يُثير البرازيلي جوزيه دي كاسترو في كتابه “جغرافيا الجوع” فكرة محورية مفادها أن الجوع ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتاج صناعة بشرية. يؤكد كاسترو أن الإنسان يفقد جزءًا من إنسانيته عندما يجوع، فيتحول إلى كائن يخرج عن طبيعته المدنية والحضارية.
ومصداق ذلك ما حدث في الولايات المتحدة في الثالث عشر من يوليو عام 1977، عندما انقطعت الكهرباء عن مدينة نيويورك لأكثر من خمس وعشرين ساعة بسبب سلسلة من الصواعق ضربت محطة “إنديان بوينت” وخطوط نقل الطاقة. أدى هذا الانقطاع إلى اضطرابات واسعة في المجتمع الأمريكي، تمثلت في أعمال نهب وحرائق قادتها الفئات المهمشة والفقيرة في الشوارع والأحياء. وتسبب ذلك في تضرر أكثر من 160 متجرًا بسبب النهب والحرائق، وارتفعت معدلات الجريمة، خصوصًا في الأحياء الفقيرة.
إن البطالة تساهم في بناء مجتمع فاشل، وتحوّل الفرد إلى شخص عدواني يصعب التحكم في سلوكه. لذلك تكمن أهمية توفير الوظائف المناسبة التي تُعتبر مفتاحًا لضبط سلوك الإنسان وتعزيز انتمائه الوطني. وتكشف لنا مقولة أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – أهمية توفير العيش الكريم ومساهمته في تحقيق الاستقرار والسلام، حين قال: “عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه”. ولعلّ المقصود من كلام أبي ذر أن الفقر والعوز الطويل الناتج عن البطالة قد يؤديان بالمرء إلى أفكار هدامة، أو الانسياق وراء تصرفات غير أخلاقية نتيجة غياب الهدف والغاية، والحاجة الماسّة للعيش بكرامة. فالبطالة والفقر يُعتبران سببًا رئيسيًا في زعزعة استقرار المجتمع وعرقلة تقدمه، كما يؤديان إلى التخلف والجهل وإهدار قدرات الشباب وإمكانياتهم.
وعلى النقيض تمامًا، فإن توفير الوظائف المناسبة ومصادر الرزق الكافية للمواطنين يؤدي إلى الاستقرار والسلام الاجتماعي، ويُعتبر عاملاً أساسيًا في تهذيب أخلاق الفرد وتحسين سلوكه الحضاري، مما يجعله فردًا فاعلاً في تعزيز المستوى الاقتصادي والعلمي للمجتمع.
عرضتُ هذا التوصيف المختصر لأبيّن من خلاله أن التعامل مع البطالة من قبل الدولة يجب أن يكون حاله حال التعامل مع أي كارثة تقع في المجتمع، مثل جائحة كورونا أو الطاعون أو الحروب، لأن التأخير في علاج هذه الظاهرة يتسبب في ظواهر أخطر بكثير من الظاهرة نفسها. ونحن نشاهد في دول كثيرة كيف حوّلت البطالة المجتمعات الآمنة إلى مجتمعات يسودها الإجرام والتخلف والانحطاط.
لم يعد علاج البطالة خيارًا تتخذه الدولة متى شاءت، بل هو واجب أقره الدستور الذي يُلزم بأن “تكفل الدولة توفير فرص العمل للمواطنين وعدالة شروطه”، كما أن توفير العيش الكريم لجميع العاطلين من أبناء الوطن هو جزء من مسؤولية الشركات والمؤسسات العاملة في البلد
أنا على يقين من أن الدولة قادرة على توفير الوظائف المناسبة لجميع العاطلين من خلال قرار رسمي وخطة جادة لعلاج المشكلة، خاصة وأنه سبق للدولة أن حققت تجارب ناجحة في علاج هذه الظاهرة والتصدي لها، ومنها على سبيل المثال :البرنامج الوطني للتوظيف الذي امتد من 1 يناير 2006 إلى نهاية يونيو 2007، والذي تمكنت وزارة العمل من خلاله توظيف حوالي 19 ألف بحريني في القطاعين العام والخاص، وخفض معدل البطالة من 15% إلى ما دون 4%.
لا يزال الوقت متسعًا لتطبيق سياسة “بحرنة” الوظائف وإعطاء الأولوية للبحريني في التوظيف، ولنا في نجاح تجربة المملكة العربية السعودية في سعودة الوظائف خير مثال.


