حدث في يوم قطف الزيتون الفلسطيني

0
6
عصمت الموسوي

على دلعونة وعلى دلعونة 

زيتون بلادي أطيب ما يكونه

زيتون بلادي واللوز الأخضر 

والميرامية ولا ننسى الزعتر 

يارب تشتي ونلبس  طاقية 

ونلبس كبوت ونحمل شمسية 

ونغني سوا يا فلسطينية 

دايم في بلادي خبز الطابونة .

بهذه الأهزوجة وغيرها يتغنى الفلسطينيون بانطلاق موسم قطف الزيتون في فلسطين في شهر أكتوبر من كل عام، ويعدّ الزيتون مصدراً اقتصادياً ومعيشياً لآلاف العائلات الفلسطينية، ويٌذكر أنّ إنتاج الزيتون يُمثل 57% من الأراضي المزروعة، حيث تعدّ فلسطين الخامسة عربياً في إنتاج الزيتون بعد تونس والجزائر والمغرب وسوريا، هذه الشجرة المعمرة تكاد تكون عنوانا لهوية فلسطين وذاكرتها وصمودها وتراثها. 

في يوم 12 من شهر أكتوبر عام 2025، ذهب المزارعون الفلسطينيون لحصد محصول الزيتون كالعادة في منطقة صوبا الريفية في الخليل بالضفّة الغربية، فأحاط بهم مجموعة من المستوطنين المسلحين لمنعهم من ذلك، اقترب أحدهم من المحامية الفلسطينية والعضوة في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ميعاد أبو الرب، فحاول استفزازها والسخرية منها، ثم قام بتصويرها بهاتفه المحمول. التقط المشهد الصحفي الإيطالي  بيترومستورزو الذي كان يحضر الفعالية ممثلاً لمجلة  “لي اسبرسو” الأسبوعية، وهي مجلة يسارية عُرفت بتحقيقاتها المهنية الجريئة والمؤثرة، وذلك ضمن مشروع فيلم توثيقي شامل وموسع يعدّه هذا الصحفي عن الضفّة الغربية، وما يجري فيها من  عنف وانتهاكات واعتداءات على يد المستوطنين، لمضايقة الفلسطينيين وإجبارهم على ترك أراضيهم تمهيداً لتهويد الأرض وانتزاعها من أهلها في ظلّ غيابٍ تام للمحاسبة الداخلية والدولية في أحيان كثيرة.

اخترت الكتابة عن هذا الموضوع ليس تعقيباً على الحدث فحسب، فلقد نال تغطية صحفية غير مسبوقة، ولكن لتبيان أمرين: 

الأول؛ قوّة التحقيق الصحفي  الاستقصائي المدعم بالصور والأدلة الدامغة واللقطات المؤثرة ما جعله يحظى بتفاعل جماهيري عالمي، إذ تحوّل إلى “فيرال” viral وانتشر كالفيروس السريع العدوى، انتشاراً فاق كلّ التصورات، ما أجبر سفارة إسرائيل في روما على الردّ على التحقيق ووصفه بأنه مُضلل ومُزيّف ومُوّلد بالذكاء الاصطناعي ومُحرض على الكراهية ومعادٍ للسامية، فبادرت المجلة بدحض هذا الاتهام  ونشر الفيلم الأوسع الأكثر وضوحاً وتفصيلاً على منصتها الإلكترونية، حيث يظهر فيه الجندي المسلح وهو يستخدم تعابير وحركات وكأنّه يهشّ حيوانات. 

صنّاع محتوى ومؤثرون على “السوشيال ميديا” وضعوا صورة الغلاف والفيلم أمامهم وأشبعوه نقداً وتحليلاً ومعلومات، تناولوا فيه كلّ ما نشرته الصحافة العالمية عن الانتهاكات اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون وعذاب المزارعين في شهر الحصاد، ليس في الضفّة الغربية فحسب ولكن في كل عموم الأرض الفلسطينية، من قتلٍ وحرقٍ للسيارات وهدمٍ للبيوت والتعرّض للأرض المزروعة وسرقة المحصول وحرق الأشجار وتجريفها، والجدير بالذكر، وكما تقول بعض المواقع الالكترونية، فإنّ فلسطين خسرت 800 ألف شجرة زيتون جرى اقتلاعها أو حرقها أو تخريبها على يد الجيش الإسرائيلي منذ بدء الاحتلال. 

وقد أقرّ التحقيق بأنّ عنف المستوطنين ضد المزارعين في موسم قطف الزيتون يزداد سنويّاً، حتى أن شهر أكتوبر يُعدّ الشهر الأعنف ضد الفلسطينيين منذ عام 2013، وهو عنف يترافق بدعمٍ وحمايةٍ من الجيش الإسرائيلي، وهو ما أوضحته صورة الغلاف والفيلم المرافق، حيث الجندي المسلح يواجه سيدة  مدنية عزلاء.

قالت صاحبة محتوى أمريكية إنّ عنف المستوطنين يُعدّ مصطلحاً ملطفاً جداً يستخدم لاسترضاء إسرائيل وعدم إثارة غضبها، وقد نشرت في تقريرها على منصة الانستجرام ما هو أفظع من تلك الصورة، وهو إشهار السلاح في وجوه العزل من النساء والرجال أثناء ممارستهم لحياتهم المهنية المعتادة، كقطف الزيتون وغيره، ودعمت  تقريرها بمانشيتات أرشيفية في صحف عالمية تشير إلى حجم الانتهاكات اليومية والتي  ناهزت الألف هجوم عام 2023 على سبيل المثال. 

 إرهاب المستوطنين لأصحاب الأرض بدأ بعد حرب 1976 وتنامى بعد ذلك بالتدريج وأصبح أكثر وضوحاً بعد اتفاقية أوسلو، وأكثر وحشية بعد السابع من أكتوبر، وبقدر ما اشتهر الجندي المسلح صاحب صورة الغلاف، فقد تعرّف العالم على جزء مما يعانيه الفلسطينيون يوميّاً، والذي وثقه هذا التحقيق الإيطالي المهم. تقول ميعاد ابو الرب التي ظهرت في لقطة الغلاف: “كانت فعالية سلمية ذهبنا للتضامن مع مجموعة من المتطوعين والمتضامنين من مؤسسات محلية ودولية مع أصحاب الأرض يوم قطف المحصول للوقوف معهم، وهو ما نفعله دوما لدعمهم، فأحاط بنا المستوطنون والجنود المسلحون، أطلقوا الغاز المُسيّل للدموع والرصاص الحي وطردونا من الأرض.” 

الأمر الثاني الذي أودّ الإشارة إليه هو أنّ النشر وحده لا يكفي، بل يجدر العمل على استثمار هذا التحقيق الصحفي المهم، والبناء عليه وتوظيفه توظيفاً منهجياً واستحضاره كأداة داعمة وشهادة موثقة لكسب أكبر شريحة من الرأي العام العربي والعالمي، ثم الانطلاق منه نحو تحركات قانونية ودبلوماسية مستقبلية، خدمةً للحقّ الفلسطيني الذي يكاد أن يُنسى وسط انشغال العالم بالحروب الأمريكية الإسرائيلية الجديدة في الشرق الأوسط.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا