وحدتنا الوطنية أولاً وقبل كل شيء

0
4

في ظل عالم تتقاذفه الفتن والحروب، وتعصف به على الدوام دعوات القتل والدمار، وتنهار فيه القيم والأخلاق والمبادئ، وتتراجع فيه التنمية لصالح دعوات العسكرة والتغوّل المستمر للقوى المهيمنة وأدواتها المصطنعة، التي تحاول جاهدة أن تهيمن بشكل متسارع على مقدرات الشعوب، خاصة تلك التي لا يملك بعضها القدرة على مجابهة جبروت القتل والتآمر والانقلابات وسرقة الموارد، الذي أصبح عنوان المرحلة الذي تشيعه الإمبريالية الاميركية واعوانها وأدواتهم حول العالم، وما جرى في فنزويلا من تعدٍّ على سيادتها الوطنية خير دليل، وما  حصل قبله وبعده في غزّة والضفة وبقية الأراضي المحتلة، بل وما حصل في العراق وليبيا  ولبنان واليمن، وما يحصل الآن في السودان من نهب وتدمير وتقسيم وقتل ممنهج، تحت ذرائع واهية، اثبتت التجارب كم أنها تستحق ان تسمى مؤامرات مدروسة وجرائم حرب ضد الإنسانية.

 وهي للأسف ذات الممارسات الإمبريالية المتبعة منذ عقود ولازالت، حين تغيب ابسط الأدوار التقليدية لمؤسسات دولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتوظف المنظمات الحقوقية وتستلب قرارات المحاكم الدولية، لتحلّ محلها هيمنة القوى المستعمرة ومؤسساتها، عبر ممارسات واستنزاف ولغة متعالية أو حتى عنصرية متنمرة تسعى لبسط كل عوامل هيمنتها بدون رحمة، لتستمر عملية نهب الثروات وزعزعة عوامل الاستقرار والإمعان في مزيد من الإفقار لشعوب باتت مقهورة، وقرارات فوقية تفرضها حروب مبرمجة ومخططات تدميرية لا تتورع حتى عن تغيير الحدود والهويات والجغرافيا  السياسية، تلبية لجشعها وطموحاتها في البقاء اطول فترة ممكنة، محاولة الخروج من أزماتها الاقتصادية ومديونياتها المتضخمة، والإبقاء على ما تبقى من هيبتها المتلاشية، وسط عالم يتحوّل سريعاً باتجاهات ومسارات يمكن عرقلتها، لكن بالتأكيد يصعب إيقاف تحولاتها المرتقبة.

 أمام مشهد عالمي كئيب ومخيف بل ومرعب بالفعل كهذا، نظراً لما تمتلكه تلك الدول المتنمرة من قوة قهرية تستند لتكنولوجيا متقدمة في السلاح والأمن السيبراني والقدرات التصنيعية المتطورة، والتي تعدت كثيرا حدود وقدرات غالبية دول العالم، تتبقى لدولنا خيارات جد محدودة، لكنها مؤثرة وفاعلة بكل تأكيد، فيما لو وظفت بشكل أفضل.  

 من بين تلك الخيارات يبقى الخيار الأمضى هو تماسك ووحدة المصير لشعوبنا ولدولنا التي ابتلي بعضها أحياناً إما بموارد تنموية مطلوبة أو بموقع جغرافي مؤثر أو حتى بموارد بشرية هائلة، مما جعلها هدفا مشروعاً على الدوام لتلك القوى الاستعمارية الجشعة.  لذلك يصبح من نافلة القول إن دولنا، حكومات وشعوباً ومؤسسات  وتيارات سياسية ومدنية،  مطالبة بالفعل بوعي أكبر يتجاوز حالة الصراع والتخبط التي تعيشها شعوبنا،  حيث تفرض حالة التراجع والانكفاء الراهنة أهمية تعزيز النسيج  الوطني والوحدة والتماسك  أولاً، الذي هو حجر الزاوية في كل ما نرمي إليه  للعبور من حالة الاستلاب والتراجع، نحو حالة مختلفة عنوانها تحمل المسؤولية وتعزيز مقوّمات الدول والارتقاء بالشعوب، والوقوف بوجه خطابات التقسيم والكراهية، التي تغذيها وسائط إعلامية منفلتة دون ضوابط رادعة، لكي نعطي للناس أملاً أكبر  في تطلعاتهم المشروعة نحو المستقبل، وهنا  تكمن مسؤولية الحكومات والأفراد والمؤسسات والتيارات الاجتماعية والسياسية المختلفة، بعدم الارتهان لخطابات تقليدية  أو  مخترقة حتى النخاع، بعضها من قبل أجهزة استخبارات أجنبية أو  حتى تيارات  سياسية ومجتمعية متخلفة، تعتاش على تعزيز الانقسام والفرقة، ليبرز بعدها دور النخب الثقافية والمجتمعية، بوعي يتجاوز حدود الطائفة أو المذهب والدين أو العرق. 

لا يكفي أن تكون لدينا  قوانين وأنظمة وشعارات تُمجد التعايش والوحدة الوطنية دون وعي  حقيقي بأهمية تعزيز  النسيج الداخلي لأوطاننا، فالتجارب تؤكد أن تلاحم المكونات الوطنية وتعزيز النسيج المجتمعي  والوحدة الوطنية وإلغاء  كافة مظاهر  الكراهية والتمييز هي عوامل يجب أن تحظى برعاية الحكومات، والنخب ومختلف الشرائح  وتشجيعها قولاً وعملاً، حتى نستطيع أن نبنى أوطاناً  يحكمها التآخي  والروابط الإنسانية الجامعة،  التي نحتاجها بصورة  أكبر في ظل عالم يتجه  بصورة متزايدة نحو انقسامات خطيرة ونهج مفرط في انعزاليته المقيتة والتي على دولنا وإعلامنا الرسمي، وكذلك نخبنا المثقفة والواعية،  مهمة التصدي لها بكل مسؤولية وجرأة، عبر خطاب وطني جامع ومدروس يرتقي بنا  نحو المستقبل المشرق الذي هو غاية طموحاتنا الراهنة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا