ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان

0
5

ما إن قرأت رواية “ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان” لجيلبرت سينويه حتى هممت بشراء كامل أعماله لجمال السرد وأناقة الأسلوب والمحتوى الراقي. ومن رواياته: “ابنة النيل”، “المصرية”، “الفرعون الأخير محمد علي”، “الملكة المصلوبة”، “يريڤان”، “ترابيع القمر الخمسة”، “الصقر”، “صرخة الحجارة”، “أيام وليالي”، “أنا القدس”.

الرواية التي نحن بصددها تقع في 479 صفحة من الحجم المتوسط، ترجمها إلى العربية آدم فتحي، وصدرت طبعتها الأولى عن منشورات دار الجمل في عام 1999.

هذه الرواية الثانية التي أقرأها عن ابن سينا، حيث كانت الأولى ليوسف زيدان” – فردقان: اعتقال الشيخ الرئيس”، وكلا الروايتين جميلتان، لكن ما قرأته من رواية سينويه ضاعف إعجابي بما أورده من معلومات عن ابن سينا، تفوّق كثيرًا ما أتى به يوسف زيدان، حتى تكاد رواية زيدان تكون ملخصًا لهذه الرواية.

المهم في الأمر أن الراوي، أي جلبيرت سينويه، يتكلم بلسان أبي عبيد الجوزجاني، تلميذ ابن سينا وتابعه، الذي صاحبه في حله وترحاله، وقد وصف لنا ما قد تعرض له المعلم، أي ابن سينا، من ظلم وويلات من قبل الملوك وسطوة الأمراء، والمصاعب التي لاقاها في مشوار حياته العلمية والعملية، وما قدمه للبشرية من إنجازات ومعارف في مختلف التخصصات يعجز اللسان عن تعدادها، حيث كان نابغة عصره، ولذلك كُنّي بالشيخ الرئيس، أمير الأطباء، بل سيد العلماء.

يقول الجوزجاني: «ما انفك معلمي وصاحبي وقرة عيني طيلة خمسة وعشرين عامًا، أبو علي بن سينا، أفيسين عند الفرنجة، أمير الأطباء الذي بهرت حكمته ومعرفته الجميع، خلفاء ووزراء وأمراء وشحاذين وقادة حرب وشعراء.”

اسم ابن سينا طبق الآفاق، فقد بلغ مبلغًا من المعرفة وذاع صيته من سمرقند إلى شيراز، ومن بغداد إلى «أبواب الثنتين والسبعين أمة، ومن فخامة القصور إلى ضواحي طبرستان الوضيعة، وما يزال الصدى يترسل بأخبار عظمته في أرجاء المعمور».

عاش ابن سينا في ظروف صعبة في ظل حروب لا تنتهي بين ملوك وأمراء، بين سامانيين وبويهيين وزياريين وكاكويين، بين هؤلاء جميعًا يتربص الأتراك بالكل، عابثين بالسلاطين، مستفيدين من تناحرهم على السلطة والجاه والصولجان. «والحق أنه لم يكن وراء كل تلك القلاقل المتوالية سوى شبح محمود الغزنوي».

الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا كان مسكونًا بهاجس الكتابة وهو في عمر مبكر، بعد أن درس وعرف أرسطو وأبقراط وبطليموس، كما أنه حفظ القرآن كاملًا عن ظهر قلب، ولما يتعدَّ العاشرة من عمره، وفي السادسة عشرة كان هذا التلميذ معجزة، حيث شرع في شرح طرائق جسّ النبض وعن مظاهره المختلفة، «مضيفًا خمسة على المظاهر التي عددها جالينوس.”

لا عجب في نبوغ أبي علي ابن سينا في هذه السن، حيث لا ينام قبل الفجر إلا نادرًا، وإذا نام فليس أكثر من ساعة أو ساعتين، وهذه طبيعته في رحلته إلى المعرفة، فالقراءة والكتابة هما شغله الشاغل، وقد أتاح له معالجة الأمراء والحكام الدخول على مكتباتهم التي تعجّ بالنفيس من الكتب الفريدة، فأصبحت المكتبات الملكية مشرعة في وجهه، وبين يديه ما يحتاج إليه من كتب.

أنجز أبو علي ابن سينا في حياته القصيرة، التي لم تتعدَّ 57 عامًا، وتوفي في همدان في سنة 428 هجرية، الموافق لسنة 1037 ميلادية، الكثير من المؤلفات في مختلف المجالات، في الطب والفلك والفلسفة، حيث تجلى عطاؤه في الكم الكبير من الإصدارات: عشرون جزءًا من الحاصل والمحصول، وكتاب عن الفلسفة سماه بالعروضية، وقصيدة في المنطق، ومختصر لأقليدس، ومقدمة في الموسيقى، ومقالة في النبض، ومقالة في تفنيد القول بالتنجيم، ورسالة في الزهد، وكتاب في الفلسفة سماه في النفس الناطقة وأحوالها، ورسالة في ماهية الحزن وأسبابه، ورسالة في القضاء والقدر، والأدوية القلبية، وكتاب الأرصاد الكلية، وكتاب المختصر الأوسط في المنطق، وكتاب المبدأ والمعاد، وكتاب الحدود، والكتاب الأول من القانون في الطب، ورسالة النيروزية في معاني الحروف الهجائية، ورسالة في الكيمياء، وقانون الأزياج الفلكية، ومخاطبة الأرواح بعد مفارقتها الأشباح، وقصة سلامان وأبسال، والكتاب الثاني من القانون. ومع كل هذا الكم الهائل من الدراسات والبحوث والتأليفات، توزعت أيامه بين التطبيب والتدريس.

ولهذا لم يعد ابن سينا طبيبًا ذا شهرة واسعة، بل العالم والمفكر، وعلى هذا الأساس أصبح الوزير الأول في عهد الأمير شمس الدولة، أحد أمراء السلالة البويهية، وعُيّن في هذا المنصب الرفيع لحنكته وكياسته الكبيرة ووضوح رؤيته، فانتفع بعلمه كثيرون، من علية القوم وعامتهم، ومن الفقراء، حيث كان يتنقل بين القرى: “لا يطلب مقابل ذلك ذهبًا ولا فضة، تاركًا أجره على الله تعالى.”

كل هذه الأعمال الجليلة التي قام بها الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا لم تدفع عنه الأذى، ولم تشفع له، ولا تبعد عنه الشر والعذاب الذي لاقاه من الأمراء، فقد سجن في قلعة فردقان، ولذلك قال كلمته المعبرة عما عاناه: “إننا لسنا سوى عيدان من القش تلهو بنا رياح ولاة النعم، ليس الشعراء أو العلماء مهما كانوا ومن حيثما جاؤوا سوى رافعات يستعملها الحكام كي يعلوا على الوحل، فإذا حققوا بغيتهم تخلوا عنا أو قتلونا، نحن لدى الأمراء بمثابة شهادات على تبرئة الذمة.”

هكذا عاش الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا حياته متنقلًا من بلد إلى آخر، منفيًا أو مطاردًا أو مسجونًا، ورغم كل ذلك  فالأثر الذي تركه في ذاكرة الكون سيظل راسخًا لا يمحى إلى أبد الآبدين.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا