بتاريخ 30 سبتمبر 2001 تمَّ ترخيص وتسجيل المنبر التقدمي تحت مسمى (جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي) بموجب القرار رقم (31) لسنة 2001، من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ونُشِرَ في الجريدة الرسمية يوم الأربعاء الموافق 10 أكتوبر 2001، العدد رقم 2498. بعدها تمَّ تحويل الجمعيات السياسية تحت إشراف وزارة العدل والشؤون الإسلامية في عام 2005، ونظراً لعدم وجود (قانون للأحزاب) بقيت التيارات السياسية والفكرية والدينية تحت مسمى (الجمعيات السياسية)، ولكن في الأصل معظمها أحزاب سياسية عقائدية (يسارية، قومية، إسلامية).
قبل هذا الإشهار، عُقِدَ الاجتماع التشاوري التأسيسي التاريخي في الثاني عشر من يوليو 2001، بمشاركة كوكبة من مناضلي جبهة التحرير الوطني البحرانية وأنصارها، فاق عددهم أربعمائة من الرفيقات والرفاق، في نادي طيران الخليج بمنطقة «سلماباد» في البحرين. ولأول مرة في التاريخ السياسي، يجتمع (الشيوعيون) بشكلٍ علني في البحرين، وقد كتب أحدهم في الصحافة المحلية عن هذا الخبر.
جاء هذا الاجتماع بعد فترة طويلة من الإعداد والتحضير من قبل مجموعة صغيرة من الرفاق، أطلق عليها رفيقنا الراحل أحمد البوسطة تسمية «فرقة الكومندوز»، بصفته واحداً من تلك المجموعة التي ظلَّت تُعِدّ وتتواصل مع مجاميع أخرى من الرفاق والرفيقات من أجل إنجاز وتنظيم ذلك الاجتماع التاريخي الهام في تاريخنا السياسي، بعد مسيرة حافلة بالنضال والتضحية بدأت في الخامس عشر من فبراير عام 1955، مع تأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية، حزب الطبقة العاملة وسائر الكادحين والمثقفين الثوريين في البحرين، الحزب الماركسي اللينيني، ضد الاستعمار البريطاني والرجعية. ناضلت الجبهة من أجل نيل الحرية والاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي والسلم.
عملنا على تجميع أكبر عدد من الرفاق والرفيقات والأنصار من المحسوبين على جبهة التحرير الوطني، والمهمة لم تكن سهلة؛ فهناك من ترك الجبهة منذ سنوات، وهناك من تخلَّى عن الأفكار الماركسية، وآخرون لديهم ظروفهم، سواء في العمل أو الأسرة. جرت مياه كثيرة تحت الجسر، ولم يعُد الرفاق مثلما كانوا إبَّان العمل السري، والأوضاع تغيّرت كثيراً. وكانت الضربة البوليسية القمعية عام 1986 على جبهة التحرير الوطني واتحاد الشباب الديمقراطي البحراني «أشدب»، من قِبل جهاز الأمن بقيادة الضابط البريطاني أيان هندرسون، قاسيةً وموجعةً، سقط فيها الرفيق الدكتور هاشم العلوي شهيداً، وصدرت أحكام جائرة ضد عددٍ كبيرٍ من رفاقنا. وظلَّت تداعياتها حتى عام 2001. قلةٌ من الرفاق واصلوا الطريق، وحاولوا الحفاظ على النواة الحزبية، وجاء انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته، لتتغيَّر البوصلة عند البعض الذي اعتقد بأن الليبرالية هي الخيار الأفضل، قبل أن تتحول إلى الليبرالية الجديدة، وهي أكثر خطورةً وشراسةً من الليبرالية الكلاسيكية، ومعادية للطبقة العاملة ونضالاتها ونقاباتها، وحليفة قوية للحركة الصهيونية. وكان ذلك واضحاً في أكثر من حدث، أبرزها الموقف من الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، بل أكثر من هذا، إذ ساهمت تلك الدول التي تتبنَّى تلك الأيديولوجيا الفاشية في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة على مدار ثلاثة أعوام، واليوم تشنُّ حروبها العدوانية في أكثر من بقعة من بقاع العالم.
لقد مضى خمسة وعشرون عاماً على تأسيس المنبر التقدمي، وقد تحققت نجاحاتٌ (عودة بعض الرفاق للعمل الحزبي والتطوعي من جديد) بالشكل العلني، وكانت هناك إخفاقاتٌ. لقد صمد المنبر التقدمي أمام العواصف التي هبَّت في وجهه؛ كانت سريعةً وقويةً، ولكنه تجاوزها ومضى في العمل من أجل تحقيق جزءٍ من أهدافه. حاول أن يُنشِئَ له خطاً سياسياً وفكرياً واقعياً، يتعاطى مع الواقع الملموس ولا يتخلَّى عن مبادئه وأفكاره، ولا أريد أن أتوقف أمام تلك المنحدرات الخطيرة التي كادت أن تُسقط التقدمي في تبايناتٍ وخلافاتٍ لا نهاية لها؛ تجاوزها ومضى في مساره الواقعي.
ولكن التحدي الأصعب اليوم الذي يواجهه المنبر التقدمي هو عزوف الشباب عن العمل الحزبي والتطوعي، فالشباب هم مستقبل الحزب، والحزب الذي لا يستقطب الشباب يكون وضعه صعباً. صحيحٌ أن هناك ظروفاً تحول دون التحاق الشباب بالعمل الحزبي، ولكن على الحزب التفكير بجدية في كيفية تخطي هذه المعضلة أو العائق، وأن يحظى الشباب باهتمام خاص، وأن يكونوا على أجندة برامجنا وأنشطتنا دائماً، وأن تكون هذه مهمتنا الحزبية الأولى، فهم مستقبل الحزب.
كانت بوصلة التقدمي الوطن والمواطنين والدفاع عنهم مهما كانت الظروف قاسية، وكان ملتزماً بميثاق العمل الوطني، والذي تُشكِّل الديمقراطية والحريات العامة والمساواة والعدالة الاجتماعية أهمَّ ركائزه، ومن دونها يفقد مضامينه السياسية والاجتماعية. كلما توسعت الديمقراطية والحريات العامة وتعزز احترام حقوق الإنسان، كانت الجبهة الداخلية قوية، وزاد التلاحم الوطني، فالوحدة الوطنية سلاح شعبنا الأبلغ والأمضى.


