معارض الكتب .. والبحرين التي غاب معرضها

0
8

في الوقت الذي تتسابق فيه مدن العالم على استضافة معارض الكتب الدولية، وتتنافس على تحويلها إلى منصات ثقافية واقتصادية وسياحية واستثمارية، نجد أنفسنا في البحرين أمام سؤال محيّر، وربما محرج، أين ذهب معرض البحرين الدولي للكتاب، وأين اختفت تلك التظاهرة الثقافية التي كانت، على مدى سنوات، موعداً ينتظره المثقفون والكتّاب والناشرون والقراء في البحرين وفي العديد من البلدان، وتتنفس من خلالها الحياة الثقافية البحرينية هواءً مختلفاً؟ هل دخل المعرض غرفة الإنعاش ثم غادرها إلى مثواه الأخير، من دون إعلان وفاة، ولا حتى بيان يشرح أسباب الغياب؟، أم أن هناك من لا يزال يعتقد أن معارض الكتب مجرد مناسبات لبيع المطبوعات، يمكن الاستغناء عنها في زمن الكتب الإلكترونية والهواتف الذكية؟

لعل أحدث ما يدفعنا إلى إثارة هذا السؤال هو الإعلان عن الدورة الخامسة والأربعين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، المقرر إقامتها خلال الفترة من 4 إلى 15 نوفمبر المقبل، تحت شعار “من صنع الحكايات”، بمشاركة 2673 ناشراً وعارضاً من 124 دولة، واستضافة 106 مبدعين وأدباء من 25 دولة، وتنظيم الكثير من الفعاليات الثقافية والإبداعية والفنية، أرقام لا تعكس مجرد اتساع معرض للكتاب فقط، بل الأهم أنها تكشف عن صناعة ثقافية متكاملة، وعن رؤية أدركت مبكراً أن الاستثمار في الكتاب ليس استثماراً في الورق والحبر وحدهما، وإنما في المعرفة والثقافة والإنسان والاقتصاد والمكانة الدولية.

معارض الكتب الدولية واصلت بنجاح حضورها الفاعل في دول المنطقة، ليس مجرد نجاح تنظيمي يتكرر كل عام، بل تجربة تستحق التأمل في كيفية تحويل معرض للكتاب إلى مشروع مستدام، له امتداداته في صناعة النشر والترجمة والطباعة والتوزيع وحقوق الملكية الفكرية، وفي تنشيط الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والأسواق والخدمات اللوجستية والإعلامية، فكل ناشر يصل من الخارج يحتاج إلى إقامة وتنقل وخدمات، وكل زائر ينفق، وكل صفقة حقوق نشر تفتح باباً اقتصادياً جديداً، وكل فعالية ثقافية تضيف قيمة إلى الدولة المستضيفة.

هنا تحديداً نصل إلى ما يمكن تسميته اقتصاد معارض الكتب، وهو اقتصاد لا تُقاس قيمته بعدد النسخ المباعة عند منصات العرض، بل بحجم النشاط الذي يتحرك حول المعرض، وبالفرص التي يخلقها، وبالشراكات التي يؤسسها، وبقدرته على استقطاب الزوار والاستثمارات وصناعة المعرفة، والترويج السياحي. إن معرض الكتاب الناجح لم يعد سوقاً موسمية للكتب، وإنما بات جزءاً من الاقتصاد الإبداعي، ذلك الاقتصاد الذي أصبحت دول عديدة تنظر إليه باعتباره مصدراً للنمو والتنويع وخلق فرص العمل، ولعل المفارقة أن بعضنا لا يزال يناقش جدوى إقامة معرض للكتاب بمنطق المصروفات المباشرة، فيسأل: كم يكلف تنظيمه، وكم يبلغ عائد المعرض؟ بينما السؤال الاقتصادي الصحيح هو: كم يضيف المعرض إلى الاقتصاد الوطني؟ وكم فرصة عمل مؤقتة ودائمة يوفرها؟ وكم ناشراً ومؤلفاً ومترجماً ومصمماً ومؤسسة صغيرة يستطيع أن يدعم؟ وكم زائراً يمكن أن يجذب؟ وكم اسماً بحرينياً يستطيع أن يقدمه إلى الأسواق العربية والعالمية؟

تلك الأسئلة وغيرها ليست ترفاً ثقافياً، وإنما أسئلة تنموية بامتياز، خصوصاً بالنسبة إلى بلد مثل البحرين، يمتلك تاريخاً عريقاً في التعليم والصحافة والطباعة والنشر والعمل الثقافي، ويضم كتّاباً ومبدعين ودور نشر ومؤسسات ثقافية وشباباً لديهم القدرة على الإبداع والإنتاج، فكيف نقبل أن تغيب عن هذا المشهد تظاهرة دولية يفترض أن تكون إحدى واجهاته الأساسية؟ وإذا كان من الإنصاف الاعتراف بأن تنظيم المعارض الدولية الكبرى يحتاج إلى موارد مالية وإدارية وتسويقية، فإن من حقنا أيضاً أن نسأل: هل عجزنا عن إيجاد نموذج تمويلي مستدام لمعرض البحرين الدولي للكتاب؟، وهل جرى التعامل معه باعتباره عبئاً على الموازنة، بدلاً من اعتباره فرصة لاستقطاب الرعايات والاستثمارات والشراكات؟ ولماذا لا يكون للقطاع الخاص، وفي مقدمته البنوك والشركات الكبرى والمؤسسات المعنية بالمسؤولية الاجتماعية، دور في ضمان استمراره، ضمن شراكة واضحة تحافظ على رسالته الثقافية؟ وتزداد مشروعية هذه الأسئلة وغيرها حين نتذكر أن المعرض البحريني شهد محاولات للعودة، لكنها لم تتحول إلى استمرارية منتظمة، وأن موعداً كان مطروحاً لإقامته في عام 2025 لم يتحقق، فيما لا يظهر إعلان عن موعد جديد مؤكد له في جدول الفعاليات الرسمية المستقبلية، ومن المهم هنا ألا نكتفي بالسؤال عن موعد المعرض المقبل، بل أن نسأل عن الأسباب التي جعلت هذا الحدث الثقافي يغيب كل هذه السنوات، وعن الجهة التي تتحمل مسؤولية إعادة الحياة إليه..!

إن البحرين التي استثمرت في البنية التحتية للمعارض والمؤتمرات، وتمتلك مركز البحرين العالمي للمعارض، وتعمل على تعزيز مكانتها في سياحة الأعمال واستضافة الفعاليات الدولية، يفترض أن تجد في معرض الكتاب فرصة طبيعية لتوسيع هذا النشاط، فما الذي يمنع أن يكون معرض البحرين الدولي للكتاب جزءاً من أجندة سياحية وثقافية واقتصادية سنوية، وأن يرتبط ببرامج لاستقطاب الناشرين والكتّاب والمترجمين، وأن يفتح أبوابه أمام المدارس والجامعات والأسر والمؤسسات الصغيرة والمشروعات الشبابية؟

المسألة تتجاوز المعرض نفسه إلى سؤال أكبر عن مستقبل الصناعات الثقافية في البحرين. أين موقع النشر البحريني من الأسواق الخليجية والعربية؟ وما حجم الدعم الذي تحصل عليه دور النشر المحلية؟ وما الفرص المتاحة أمام الكاتب البحريني لتسويق إنتاجه وترجمته وتوزيعه خارج الحدود؟ وهل لدينا رؤية لتحويل الثقافة من نشاط يعتمد على المخصصات والفعاليات الموسمية إلى قطاع منتج، قادر على الإسهام في الاقتصاد الوطني؟

لقد أصبح الحديث عن الاقتصاد الإبداعي جزءاً أساسياً من النقاش التنموي العالمي، ولم تعد الصناعات الثقافية محصورة في الفنون والآداب بمعناها التقليدي، بل امتدت إلى التصميم والمحتوى الرقمي والإنتاج السمعي والبصري والترجمة والنشر الإلكتروني والكتب الصوتية. فالمعارض الناجحة تحاول مواكبة هذا التحول بدلاً من الاكتفاء بعرض الكتب على الأرفف.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا