الحرية مشكلة الصحافة العربية

0
8

حرية الصحافة أحد أهم أشكال حرية الرأي والتعبير، وهي، على حد تعبير الكاتب جودت هوشيار، المحك الحقيقي للحريات الأخرى وأداة سياسية في النقد والمتابعة والرقابة على أداء السلطة التنفيذية، والحرية الحقيقية هي تلك التي تسمح بالنقد الموضوعي وتحري الوقائع وصولًا لإيجاد الحلول لمشاكل المجتمع.

ورغم أن قوانين الصحافة حتى في ظل الأنظمة المنغلقة تنص على حرية النقد، إلا أن هذه الحرية شكلية إلى حد كبير وتبقى حبرًا على ورق أو يوضع لها سقف محدد لا يمكن تجاوزه دون الوقوع تحت المساءلة.

ما ذكرناه يقودنا إلى استحضار مقالٍ قديمٍ للكاتب غسان إمام، وهو صحفي اشتهر بمقالاته السياسية الناقدة، ويذكر فيه: إن الصحافة العربية ليست مؤسسة مستقلة عن المجتمع الذي تخاطبه. إنها من صميم مؤسساته. وبالتالي، فهي كغيرها من المؤسسات والسلطات إفراز لإيجابياته وسلبياته. الصحافة تزدهر بازدهار المجتمع. عندما تتعطل المؤسسات أو عندما تطغى مؤسسة على مؤسسة أو سلطة على سلطة، فسائر المؤسسات بما فيها الصحافة تعاني من هذا الخلل، وتنكمش وتتضاءل مسؤوليتها وحريتها في أداء عملها.

لا يمكن أن نتجاوز كل الخلل والعيوب في المجتمع ومؤسساته لنركز الاتهام على مؤسسة أو سلطة واحدة. وإذا كانت مشكلة الصحافة هي الحرية في المجتمع العربي، فالمثقف ورجل التكنوقراط والأكاديمي والباحث والمهندس والعالم والطالب والسياسي… لا يمكن أن يطالبوا الصحافي بأن يكون أكثر جرأة وتحررًا في رؤيته السياسية، إذا لم يملك هؤلاء أيضًا الجرأة في التعبير عن رؤيتهم السياسية.

نعم، لا المثقف ولا الأديب ولا المفكر ولا سائر المعنيين بقضية الحرية يعانون من غيابها بقدر ما يعاني الصحافي. الصحافة في تماس يومي مباشر مع السلطة وأكثر أجهزتها تعسفًا وانغلاقًا وخطرًا، لكن الحرية في النهاية مسؤولية وموقف ورؤية. وجرأة الصحافي في ممارسة الحرية تتحول إلى مغامرة دونكشوتية مضحكة لمقاتلة طواحين الهواء، إذا لم يكن المجتمع ككل، أو على الأقل نُخَبُه الواعية المتعلمة، راغبًا في ممارسة حريته السياسية، وقادرًا على التضحية وركوب المغامرة في القول والنقد والمساءلة.

الدول العربية الحديثة منذ ولادتها عانت من خلل جسيم في مبدأ فصل السلطات. في مجتمع فرضت القوة، لا الدستور والقانون، نفسها كأمر سياسي واقع، شرعت السلطة التنفيذية في الزحف تدريجيًا على سائر السلطات والمؤسسات. تآكل استقلال القضاء. اهترأت السلطة التشريعية. ثم حدث ما هو أدهى. فقد جاءت ظاهرة دمج الدولة في النظام السياسي لتقضي نهائيًا على الحريات السياسية والشخصية.

الصحافة في الدولة الديمقراطية سلطة. الصحافة العربية أيضًا مؤسسة لا يمكن إنكار وجودها، لكنها كأي مؤسسة اجتماعية أخرى باتت من ممتلكات الدولة أو من ملحقات النظام. تحولت الصحافة من أداة إعلام للإيصال والاتصال مع الرأي العام إلى جهاز دعائي في قبضة السلطة المهيمنة. الدعاية هي فن المبالغة الإعلامية في تصوير حكمة وفضائل وانتصارات النظام السياسي وتغييب واختصار نكساته ومقالبه وأخطائه. الدعاية فن المخاطبة اللاعقلانية لعواطف الناس وغرائزهم لا لقناعتهم ووعيهم. وعندما تفقد الصحافة حريتها، تنهار ثقتها في نفسها وثقة الرأي العام فيها.

في زحف النظام السياسي على الدولة وابتلاعه لها، سجلت المؤسسات تراجعًا في الأداء والكفاءة وجمودًا في التقنية والتطوير، أصبحت الدائرة الحكومية أو المؤسسة العامة في ظل حماية الدولة والسلطة، وفي منأى عن النقد والمساءلة والمراقبة الشعبية، وفي نجاة من المنافسة على الخدمة العامة مع المؤسسات المماثلة والشبيهة. وهذا ينطبق على الصحافة كمؤسسة تابعة للسلطة.

الحديث عن البعدين الاجتماعي والسياسي في مأزق الصحافة العربية يبقى كلامًا نظريًا لعموميات الأزمة، إذا لم يستكمل بالحديث عن البعد الثالث، عن البعد الصحافي، عن مسؤولية الصحافة ذاتها في مأزقها.

الخوض في أزمة الصحافة الرسمية وشبه الرسمية يعيدنا فورًا إلى مسؤولية المجتمع والسلطة في مأزق الصحافة. أزمة الصحافة الرسمية من أزمة المجتمع وأزمة السلطة. مشكلة الصحافة الرسمية هي مشكلة الحرية والديمقراطية في المجتمع العربي. لا يمكن مطالبة الصحافة الرسمية بالانفتاح وتناول السياسة الخارجية والدفاعية مثلًا بدون مطالبة النظام السياسي العربي بإدخال تغيير جذري في تركيبته البنيوية وفي رؤيته السياسية وفي موقفه من قضية الحرية والديمقراطية وفي أسلوب ممارسته السلطة والمسؤولية.

لكن إذا كان، كما يقول الكاتب إمام، التغيير مستحيلًا في ظروف سياسية واجتماعية شديدة الخطر والتعقيد، فيمكن الحديث عن تغيير ما في شكل ومضمون الخطاب الرسمي الإعلامي. لا بد من الاستغناء كليًا عن أسلوب الإعلام الدعائي المباشر. والكف عن تقمص الدور الأبوي المقدس والمرشد والموجه الذي يخاطب الرأي العام من فوق وكأنه جمهور قاصر ومتخلف وعيًا وعقلًا. لا بد من وضع حد لهذا التمجيد لكل خطوة وحركة. لا بد من إسقاط نهائي للغة الخشبية الإنشائية والنظرية التي باتت جامدة ومتينة، واعتماد لغة صحافية أكثر حيوية وواقعية وأقرب إلى الحوار وأشد صلة بالواقع والرقم والتاريخ.

هذا التغيير المنشود في الخطاب الرسمي الإعلامي العربي يمكن إيجاد آلية عملية لتحقيقه من خلال تحرير الصحف والمجلات من الارتباط التام بالمؤسسة الرسمية.

كاتب بحريني وعضو التقدمي

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا