صنع الله إبراهيم، ابن جيل الستينيات، تشكّل وعيه الأدبي وسط متغيرات كبرى. لقد كتب أعمالاً سعت إلى كسر البنية التقليدية. ترتكز تجربته على توظيف الأرشيف والوثائق لرصد تجاربه الحياتية في السجن والسياسة والمجتمع، لكنه لم يسقط في مطب الأيديولوجيا المباشرة. يطرح موضوعات شائكة بتقنيات أدبية عالية.
كتب صنع الله إبراهيم ست عشرة رواية، وثلاث ترجمات وبضعاً من قصص الأطفال. صدر عمله الأول «تلك الرائحة» عام 1966، عقب خروجه من السجن. جاء عمل «تلك الرائحة» كنص تجريبي يشظي البنية السردية التقليدية، وقد أشاد به يوسف إدريس في مقدمة الطبعة الأولى، قائلاً: “إني لشديدُ الاعتزاز بصنع الله الفنان، وسعيدٌ حقيقة وأنا أُحس أنه قد آن الأوان لتقرأه الحركة الفنية والأدبية في كتابٍ كامل في قصة من أجملِ ما قرأتُ باللغة العربية خلال السنوات القليلة الماضية .إن «تلك الرائحة» ليست مجرد قصة، ولكنها ثورة، وأولها ثورةُ فنانٍ على نفسه، وهي ليست نهاية، ولكنها بدايةٌ أصيلة لموهبةٍ أصيلة، بدايةٌ فيها كل مَيْزات البداية، ولكنها تكاد تخلو من عيوب البدايات لأنها أيضًا موهبةٌ ناضجة”(ص28، ط3).
لكن المعضلة في جانب آخر، ليست في ملاحقة السلطة السياسية له، بل أيضا هناك السلطة المجتمعية، حيث يقول صنع الله في مقدمة الطبعة الثالثة:” جلبَت لي «تلك الرائحة» أيضًا مشاكلَ عائليةً عديدة؛ ففيها يتحدث الراوية عن أخٍ وأختٍ وعمٍّ وأقارب، ساردًا تفاصيلَ حميمةً عنهم، من شأن بعضها أن يصدم القارئ. لم يُثِر ذلك شيئًا عند نشرها في المرة الأولى؛ فبعضُ أقاربي الذين تنطبق عليهم هذه الأوصاف كفُّوا عن ممارسة القراءة أو انتهت علاقتهم بفن الرواية عند «يوسف السباعي» و«إحسان عبد القدوس»، ومَن قرأها منهم صدفة – من مُجايليَّ أو من الجيل الأكبر- لم يأخذ عملي على محمل الجد، واعتبره في الغالب نزوةً من نزواتي التي اشتُهرتُ بها وقادَتْني في السابق إلى السجن. لكن الأحفاد كان لهم شأنٌ آخر. فعَبْر العقود نشأ جيلٌ منهم وصل إلى الجامعة، ومن سوء حظي أن البعض منهم أُغرم بالقراءة، وقراءة الأدب بالذات. ثم إن العصر صار غير العصر؛ فما كان يبدو مقبولًا منذ ثلاثة عقود، صار الآن رجسًا من عمل الشيطان في ظل الظلامية التي أُسدلَت أستارها على البلاد. ووقعَت إحدى طبعات «تلك الرائحة» في أيدي بعضهم، فحملوها إلى الآباء والأجداد متسائلين، وربما ساخطين. وجاء اليوم الذي تُوفِّيَت فيه إحدى قريباتي. علمتُ بالخبر في الصباح، وبدأتُ أستعد للقيام بواجب العزاء. وإذا بزوجتي تحمل إليَّ النعي المنشور في جريدة الأهرام قائلة إنه لا يوجد ما يدعوني للخروج. وعرفتُ السبب عندما قرأتُ النعي الذي يضُم أسماء الأقارب؛ إذ وجدت مكان اسمي فارغًا؛ مما يوحي بأن أحدًا تذكَّر بعد إعداده للنشر ما «ارتكبتُه من جرائم»، وتمكَّن من إزالة اسمي في اللحظة الأخيرة! ربما أمكن اعتبار كل ذلك بعضًا من متاعب المهنة الضرورية، وربما أمكن اعتبارها مؤشرًا على نجاحي في إقناع القارئ بالأكذوبة التي هي الرواية، لكني ما زلتُ أتمنى أن يفصل القارئ بين شخصي والراوية؛ فهو كاذبٌ كبير، حتى لو صدَق!”(ص8-9، ط3).
إنها معضلة كبيرة؛ لأن الكاتب مع حاجته إلى هامش لا بأس به من الحرية من قبل اللوائح القانونية، يحتاج أيضاً إلى تفهم وحرية أكبر من قبل النظام الاجتماعي، أو ما نسميه المجتمع بشتى تجلياته، ومن بينها المجتمع الأدبي القارئ. لأن العمل الأدبي في النهاية هو هذا المزيج العجيب بين ما عاشه ورآه الكاتب حقيقةً وبين ما تخيله. هذا ما ظللتُ أفكر به البارحة في أمسية “الحياد السردي صنع الله إبراهيم نموذجاً” التي أدرتها وقدمها الكاتب الصديق عبد الإله رضي في أسرة الأدباء والكتاب..


