الانتماء للوطن يعلو فوق كل اعتيار
يشكّل تاريخ البحرين الحديث لوحة ناصعة البياض، حافلة بالمواقف البطولية واللحظات الفارقة التي جسّدت فيها إرادة الشعب البحريني، بكل أطيافه ومكوّناته، تمسّكه بهويته العربية المستقلة ورفضه القاطع لأي وصاية أو احتلال. وفي هذا المقال، نتوقّف عند محطّتين عظيمتين: نضال هيئة الاتحاد الوطني ضد الاستعمار البريطاني (1954-1956)، وتصويت الشعب بالإجماع على عروبة واستقلال البحرين عام 1970، لنفضح بهما ادّعاءات المشكّكين والمسيئين، ولا سيما أولئك الذين يتخذون من الطائفية غطاءً للتشكيك في انتمائهم، خاصة في ظل الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على البحرين.
في منتصف خمسينيات القرن الماضي، نهض شعب البحرين بقيادة هيئة الاتحاد الوطني، تلك الكتلة النضالية الجامعة التي ضمّت السنّة والشيعة على اختلاف مشاربهم، لتطالب برحيل الاستعمار البريطاني وتحقيق الاستقلال الكامل. قاد هذه الهيئة رجال مخلصون من مختلف القرى والمدن، وقدّموا الغالي والنفيس في سبيل حرية وطنهم. اعتُقلوا وعُذّبوا وسُجنوا على يد المستعمِر، لكنهم لم يتراجعوا عن مطلبهم الأساسي: بحرين حرة عربية مستقلة.
لقد أثبتت تلك المرحلة أنّ الانتماء للوطن يعلو فوق أي اعتبار طائفي أو مذهبي، وأن الشعب البحريني – سنة وشيعة – كان وما زال صفًّا واحدًا في مواجهة أي احتلال أو هيمنة خارجية.
وفي لحظة تاريخية حاسمة عام 1970، أجرت الأمم المتحدة استفتاءً حرًّا لسكان البحرين لتحديد مصيرهم. جاءت النتيجة مدوّية: إجماع الشعب البحريني على أنّ البحرين دولة عربية مستقلة تحكمها أسرة آل خليفة، وليست جزءًا من أي كيان آخر. لم يكن هناك صوت معارض أو مشكّك؛ لأن الهوية البحرينية العربية كانت وما زالت راسخة في وجدان الجميع، سنة وشيعة على السواء.
هذا التصويت التاريخي، الذي اعترفت به الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أسقط كل المزاعم التوسعية وقطع الطريق على أي مشروع يهدف إلى المساس بسيادة البحرين.
في عام 2026، تعرّضت البحرين لاعتداءات إيرانية صريحة، حاولت من خلالها طهران النيل من أمن البحرين واستقرارها. لكن الشعب البحريني، بكل أطيافه، خرج ليؤكد مجددًا أن ولاءه للبحرين وليس لأي جهة خارجية، ومن التأييد لموقف قيادته السياسية برفض الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد دولة إيران، ومع إيقافها فورًا عبر الحلول الدبلوماسية الدولية. لقد كان الموقف الرسمي والشعبي واضحًا وحازمًا في مواجهة التهديدات الفارسية.
في خضم هذه الصور المتعددة من تاريخ البحرين الحديث والمعاصر، يبرز سؤال محرج لمن يشككون في انتماء البحرينيين: كيف يجرؤ أحد بعد كل هذه التضحيات والمواقف البطولية على التشكيك في ولائهم لأرضهم ووطنهم؟ لقد قاد السنة والشيعة النضال معًا ضد الاستعمار، وصوّتوا معًا لعروبة البحرين واستقلالها، ووقفوا معًا صفًا واحدًا في وجه الاعتداءات الإيرانية الأخيرة.
أولئك الذين يسيئون إلى البحرين، أو يشككون في ولاء أبنائها، هم إما جاهلون بالتاريخ، أو متعمّدون تشويه الحقائق. على هؤلاء أن يخجلوا من أنفسهم، وأن يراجعوا مواقفهم، فالوطنية البحرينية ليست حكرًا على أحد، ولا يمكن لأي كان أن يختبر انتماء البحرينيين لوطنهم أكثر مما اختبره أجدادنا في سجون الاستعمار وفي الاستفتاء على عروبة واستقلال البحرين.


