مأسسة الحوار الاجتماعي

0
4

في يوم العمال العالمي، لا يكون الحديث عن العمال ترفاً خطابياً أو مناسبة رمزية عابرة، بل لحظة صريحة لطرح السؤال الجوهري: كيف يمكن بناء اقتصاد مستقر وعادل في ظل اختلالات تتجدد وتتعاظم؟ الإجابة لا تكمن في المزيد من المؤشرات الرقمية، بل في إعادة الاعتبار للإنسان العامل بوصفه محور العملية الإنتاجية، وشريكاً لا يمكن تجاوزه في رسم السياسات.

يفقد الحديث عن النمو الاقتصادي معناه حين لا ينعكس على الواقع المعيشي لشريحة واسعة من العاملين. وفي البحرين، كما في غيرها، تتجلى هذه المفارقة بوضوح، حيث تتقاطع جهود التوظيف والتطوير مع ضغوط متزايدة ترتبط بالأجور وتكاليف المعيشة، وهو ما يفرض إعادة النظر في أدوات إدارة سوق العمل، وفي مقدمتها الحوار الاجتماعي.

إن منظومة الأطراف الثلاثية للإنتاج – الحكومة وأصحاب العمل والعمال – ليست خياراً تنظيمياً، بل ضرورة سياسية واقتصادية. فغياب هذا التوازن لا يؤدي فقط إلى اختلال في سوق العمل، بل يفتح الباب أمام قرارات أحادية تفتقر إلى الواقعية والاستدامة. أما حين يكون العمال ممثلين تمثيلاً حقيقياً عبر تنظيماتهم النقابية، فإن السياسات تتحول من نصوص جامدة إلى تعاقدات اجتماعية قابلة للحياة.

ليست القضية في وجود نقابات من عدمه، بل في مدى قدرتها على التأثير، وفي المساحة المتاحة لها لتكون طرفاً أصيلاً في الحوار. فالنقابات القوية لا تعطل الاقتصاد، بل تحميه من الانزلاق نحو الهشاشة، لأنها تضمن الحد الأدنى من التوازن بين متطلبات الربح وحقوق العمل، وهو توازن لا يستقيم بدونه أي مشروع تنموي.

وفي أوقات الأزمات، تتكشف الفوارق بوضوح. فالمجتمعات التي تمتلك قنوات حوار فعالة تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، بينما تتعثر المجتمعات التي تُدار فيها السياسات بمعزل عن أصحاب المصلحة. فالحلول التي تُفرض من أعلى قد تنجح مؤقتاً، لكنها لا تصمد، أما تلك التي تُبنى على التوافق، فهي وحدها القادرة على الاستمرار.

إن الرهان الحقيقي ليس على تجاوز الأزمات فحسب، بل على بناء منظومة قادرة على إدارتها بعدالة. وهذا يتطلب الانتقال من منطق المعالجة الظرفية إلى مأسسة الحوار الاجتماعي، وجعله جزءاً أصيلاً من عملية صنع القرار، لا مجرد أداة استدعاء عند الضرورة.

في المحصلة، لا يمكن الحديث عن اقتصاد قوي في ظل عمالة ضعيفة الصوت، ولا عن استقرار مستدام في غياب شراكة حقيقية بين أطراف الإنتاج. فالحوار الاجتماعي ليس ترفاً سياسياً، بل شرطاً لبقاء التوازن، وضمانة لبناء مستقبل أكثر عدالة واستقراراً.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا