
سوق النفط هو أكبر سوق عالمي للسلع المتداولة. لذا فإن أحداثًا كبرى كحرب إيران، لها تأثير عظيم على أسعار النفط، وأسعار طيف واسع من المنتجات النفطية. فبعد أن كان سعر برميل خام القياس من نوع برنت في 25 فبراير 2026، أي قبل اندلاع الحرب بثلاثة أيام فقط، حوالي 71 دولارًا، إذا به يقفز إلى 101 دولارًا في 13 أبريل، والى 109 دولار في 16 مايو 2026. فكان أن ألقى هذا الارتفاع بظلاله على سلة واسعة من السلع والخدمات في معظم بلدان العالم. فالنفط ليس سلعة عادية، إنه وقود أساسي للاقتصاد الصناعي، يُشغّل محركات النقل ويُعبّد الطرق، ومنه يُصنع البلاستيك الذي تُصنع منه وتُغلّف منتجات العالم. كما تُصنع منه الأسمدة التي تعزز الامدادات الغذائية التي تُصنع منه. ويكاد يكون مكوّناً رئيسياً في كل سلسلة توريد تقريبًا. وبعيدًا عن اتهامات لوبيات المناخ الأوروبية للنفط بالمسؤولية الأساسية عن ظاهرة الاحتباس الحراري، فإنه يصعب تخيّل الحياة المعاصرة بدون النفط ومشتقاته.
لذلك ما أن يتغير المعروض منه، يتغير سعره، بحسبان “قانون” الاقتصاد الأساسي: العرض والطلب. فعندما يقلّ المعروض من سلعة ما، يزداد تهافت المستهلكين على اقتنائها، فيرتفع سعرها. وتتميز السلع بمرونة متفاوتة للطلب عليها، فحين ترتفع أسعارها، تميل كتلة من المستهلكين لتقليل كمية استهلاكهم لها. لكن عندما يُحجب مصدر رئيسي لحركة ونمو الاقتصاد العالمي بشكل فعلي ودون سابق إنذار، كما حدث عندما أغلقت إيران مضيق هرمز، فإن أسعار النفط يمكن أن ترتفع بشكل حاد في فترة وجيزة. ذلك لأن الأمر يتعلق بسلعة السلع، أي النفط. الأمر هنا يختلف. فالنفط يعتبر سلعة غير مرنة، أي أن مستهلكيها من الأفراد والشركات لا يغيرون حجم استهلاكهم لها بشكل كبير عندما يتغير سعرها. النفط الخام ومشتقاته مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، هي منتجات ضرورية لا غنى عنها لقطاعات النقل، والشحن، والصناعة، ولا توجد بدائل مناسبة لها تقريبًا. لذلك، حتى بعد انتهاء الحرب، فإن الراجح أن يكون لفقدان أكثر من 13% من إمدادات النفط العالمية، ونحو خُمس تدفقات الغاز الطبيعي المسال، لعدة أشهر، بالإضافة إلى تداعيات الحرب – آثار واضحة على تجارة النفط والغاز، ربما أبقت أسعار النفط مرتفعة لفترة قد تمتد لعام أو أكثر.
على الورق، كان من المفترض أن تُشكّل هذه الظروف بيئة مثالية لشركات الطاقة الكبرى مثل بي بي، وشيفرون، وإكسون موبيل، وشل، وتوتال إنيرجيز، لزيادة مخصصات انفاقها الاستثماري، وزيادة طاقاتها الانتاجية، لزيادة حصتها في السوق. لكن هذا لم يحدث، فلم تُعلن أي من هذه الشركات عن خطط إنفاق جديدة لعام 2026 أو ما بعده. إنه الحذر على ما يبدو الذي تبديه مجالس إداراتها، في ضوء ما حصدته من خسائر على مدى العقد الماضي قُدرت بحوالي 200 مليار دولار، نتيجة لتوسعها المفرط منذ أوائل العقد الأول من الألفية الثانية. تحضر في هذا المقام، مقاومة شركتي شيفرون وإكسون موبيل لضغوط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لزيادة الإنتاج استجابةً لأزمة الشرق الأوسط. فقد انحاز أعضاء مجلسي إدارتهما لأولوية التركيز على الانضباط الاستثماري في إدارة أموال الشركتين.
الحرب واغلاق مضيق هرمز، ليسا السببين الوحيدين في ارتفاع وتأرجحات سعر برميل النفط حول مائة دولار. فهناك ما يسمى التداول بناءً على معلومات داخلية (Insider trading)، أي شراء أو بيع أسهم شركة مدرجة في البورصة أو سلعة متداولة، من قبل متداولين يتمتعون بامتياز امتلاك معلومات جوهرية غير متاحة للعامة عن الشركة أو السلعة. وهي ممارسة أطلق عليها جوزيف ستيجليتز في كتابه “السقوط الحر: الأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي”، “المعلومات غير المتماثلة حين يمتلك أحد طرفي الصفقة معلومات أكثر أو أفضل من الطرف الآخر)؛ واعتبرها من أسباب الفقاعة التي أدت الى الأزمة المالية العالمية في 2008. هذه الظاهرة تفاقمت إبان حرب إيران، رغم أن القانون الأمريكي يمنع جميع أنواع التداول بناءً على معلومات داخلية. حيث تداول الاعلام الأمريكي معلومات بشأن استغلال كواليس مفاوضات الحرب للمضاربة على أسهم شركات النفط للاثراء، ما تسبب في التذبذبات الحادة لسعر برميل النفط، صعودًا وهبوطًا.
هنا برز دور مخزونات الاحتياطيات الاستراتيجية التي تحتفظ بها الدول الكبرى المستهلكة للنفط، حيث لعبت دورًا بالغ الأهمية في منع سعر النفط من الخروج عن السيطرة، وبقي عند الحد الذي يبلغه عادةً إبان الأزمات (ما قبل الأزمة المالية في 2007، حين بلغت الفقاعات حدودها القصوى ومنها فقاعة النفط حيث بلغ سعر البرميل في 11 يوليو 2008، 147.50 دولارًا؛ وأزمة كورونا في 2020). بل إن هذه الاحتياطيات صارت تؤدي دور “المنتِج المرن” الذي يملك طاقة انتاجية احتياطية/فائضة للتدخل في الوقت المناسب لموازنة العرض والطلب وكبح جماح الأسعار. إنما، مع ملاحظة صغيرة لكن مهمة، وهي أن هذه المخزونات مآلها إلى النفاد ما لم يتم تعويض فاقدها. وهذه مشكلة يمكن أن تواجه بعض كبار مستوردي النفط على المدى المتوسط.
*خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية


