أنت صنيعة اختياراتك!
أنت صنيعة اختياراتك نعم… ولا، لن أقول لك نعم مثلما يفعل روّاد الثقافة الاستهلاكية، بحيث يضعونك أمام ثقل المنظومة غير العادلة على مستوى القيم وتوزيع الثروات وتحت ضغطٍ استثنائي يحمّلك كل ما يحدث لك وللعالم، ثم يملؤون عقلك بالمقارنات التي تزيدك إحساساً بالاحباط والفشل.
إن خيارات الإنسان التي ترسم مصيرَهُ في هذه الحياة محدودة، لا أقول معدومة بل محدودة جداً، يمكن أن نقول بأنّ الإنسان مُنقادٌ أو خاضعٌ للضرورة بنسبةٍ تصل إلى حدود التسعين بالمئة والعشرة الباقية هي لحريّة الاختيارات. قد يقول قائلٌ كيف ذلك والإنسان كائن عاقل يمكنه تحديد خَياراته إذا ما ملك الإرادة! هذا القول في ظنّي يحتوي على جانبٍ من الصحة ليس بالقليل، بالإرادة يستطيع الانسان أن يغير الكثير من الأمور الحاسمة في واقعهِ، ولكن النسبة الأكبر تعود الى الضرورات أي: الظروف والوقائع والبيئة.
هل يمتلك الانسان اختيار ظروف بيئتهِ التي ترعرع فيها؟ هل يمكنه اختيار ظروف الكوارث الطبيعية مثل فيضان النيبال؟ أو الأوبئة والأمراض مثل جائحة كورونا؟ أو الحروب التي تحدّث عنها الفلاسفة كثيراً، حتى أن تولستوي في رواية (الحرب والسلم) خلُصَ الى أن الإنسان هو مجرد محرّكٍ لها بينما وقودها يكمن في حركة التاريخ، والتدافع الاجتماعي والعمراني، والعصبيات المنفلتة، والقهر المستمر، بحيث تصل جميع تلك التراكمات الى الذروة فتشتعل الحرب، لاحقاً يأتي دور الإنسان المباشر في تأجيج الموقف!
الزمن بأحواله وظروفه ينحت الإنسان نحتاً مثلما يفعل الفنان في قطعته الطينية بل وحتى الرخامية على صلابتها وكلما زاد صقله لها زادت لمعاناً كذلك يفعل الزمن ليرينا معادن البشر.
الأربعون سِنّ الحكمة
وأنا أدخل الآن سنّ الأربعين، وهو بالمناسبة يعتبر سِنُّ الحكمة والنبوة والنضج في التراث، فنبينا محمد (ص) بُلّغَ بالرسالةِ في هذا السن، وهناك الكثير من الفلاسفة والحكماء والمستنيرين بدأوا مرحلة النضج المعرفي من هذا السن وارتبط الأربعون بتجربتهم الفكرية والروحية، مثل أرسطو وبوذا والرومي وغيرهم كثر. أما بالنسبة لي فقد بدأت الآن أعي محدودية اختياراتي وأن أسلّمَ بالأقدار، فهناك إرادة الله ومشيئتهِ فوق كل شيء، ثم ظروف الحياة المعاشة والوقائع، ثم تأتي اختياراتي الشخصية أخيراً وبنسبة ضئيلة في تحديد مصيري ومساري في هذه الحياة.
ثمة أمور كثيرة حصلت لي، أقف أمامها اليوم وأتساءل كيف حصل ذلك من دون اختيار مني ومن دون تخطيط مسبق! أنت ياصديقي صنيعة المشيئةِ الإلهية، والواقع البيئي، والظرف الزماني، ثم أنت بجزءٍ محددٍ صنيعة اختياراتك، ثق بشخصٍ دخل بوابة الأربعين، واعلم أنك متى اعتقدت بهذه الفكرة ستشعر بالراحة والكفاية والسلام الداخلي، وستكون راضياً بما أنجزت، مقدِّراً لذاتك، وسوف تتقبل الفشل بنفسٍ أكثر اطمئناناً، وستسعى للنجاح بإرادة عالية.
إذا طمحت يوماُ أن تنعم بسلامٍ نفسي لاتنظر الى ماعند غيرك، لا تقارن نفسك بالآخرين، ولا تقارن الآخرين بنفسك، تمنى الخير لغيرك ولنفسك، اقنع بما لديك وحاول أن تزيد بقدر ما أمكن بإرادتك وجهد كفيّك، ولاتمد يدك وعينك على حقوق غيرك…
تصوّر أنك نقطةٌ تقف الآن رافعاً يديك في صحن منزلك، منزلك نقطة في المدينة التي هي نقطة في هذا البلد الذي هو نقطة في محيطهِ الإقليمي الذي هو نقطة في كوكب الأرض الذي هو نقطة في المنظومة الشمسية…ومع ذلك، فإنّ الذَرّةَ في هذا الكون لها أثر عظيم.
في رواية (التائهون) يذكر أمين معلوف فقرةً باتت تلخّص طريقتي في الاختيار، وقد فرحت لبعض القرارات لأنها كانت سليمة وندمت للخاطئة، والندم لا يكون قاسياً في الغالب لأن جانب الإختيار المخصص لي يكون مقروءاً بشكل أو بآخر والرؤية الكونية أيضاً تكون حاضرةً في الذهن، وإنني بعدما أدركت محدودية سيطرتي على النتائج، أصبحتُ ربما أكثرَ قبولاً لاتّخاذ القرار ثم القبول أو التكيّف بما يترتب عليه، يقول معلوف: “أثق عادةً باندفاعي لا لأنه لا يخطئ، بل لأني لاحظت على مرّ السنين، أني كنت أخطئ في الأغلب حين أطيل التفكير، وأحاول أن آخذ المسببات والنتائج في الحسبان، أو الأسوأ من ذلك، حين كنت أستعرض في ذهني، في عمودين متناظرين، الحجج المؤيدة والحجج المعارضة…كم من مرة اتخذت قرارات مفجعة لأسباب وجيهة! أو على العكس، أفضَلُ القرارات كانت رغم أنف المنطق السوي! فتوصلت إلى القول إنه من الأفضل أن أقرر أولاً، في لمح البصر، ثم أخوض بأناة وروية في قرارة نفسي لأفهم هذا الخَيار.” 44
مساحة الحرية والاختيار
والعُشر الذي تصورناه في البداية لصالح حرية الاختيار هو في الواقع البشري ليس نسبةً ضئيلةً ولكنه ينبّه الإنسان لمحدوديّتهِ. الاختيار المحدود كبير في محدوديتهِ، بل إن كينونة الإنسان تترسخ فيه حيث يمكن للإنسان أن يختار بحريةٍ بين مفاهيم كبرى مثل الخير والشر، الحق والباطل، الفضيلة والرذيلة، التضحية والخنوع، الصبر والعجز… {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد: 10). هنا يتربّع الإنسان على عرش الحريّةِ، وتحدِّد اختياراته جزءاً ليس بيسير من مصيرهِ ومسيرهِ في هذه الحياة، هنا في هذا المربع حدَّدَ الإنسان لنفسهِ فكرة الخلود وأبدع فيها منذ أن وعى نفسهُ ووجوده، “وكم من بقيّاتٍ تفوق أصولها** تخبِّرُكَ المنحوتةُ الحجريّةُ” / تميم.
هذه الحريّةُ الخالصةُ تضع الإنسان أمام مِحَكِّ الاختيار ليعمل على تفعيل دورهِ ككائنٍ عاقلٍ ذي ضميرٍ وعاطفةٍ ومشاعر، يعي ذاتهُ ومسؤولياتهُ في هذا العالم، هنا يمكن أن يرى خَياراتِهِ وعلى ضوئها يكون السلوك الأخلاقي البشري إنسانياً أو شيطانياً، أيّةُ نفسٍ تتنازعُهُ حتى اختار ما اختار. هنا حيث يتكامل الإنسان بِحُرّيّتهِ الأخلاقية ومحدوديّةِ اختياراتِهِ مع القدَر الذي رسمتهُ له الحياة بكامل ظروفها ومنعطفاتها وتحولاتها، “كل حالٍ يدوم زمانيْن لا يُعوّلُ عليه” / ابن عربي. لسنا نحن البشر صنيعة اختياراتنا وحدها ولسنا أسرى لما لم نختره تماماً؛ نحن ذلك الكيان الذي تتقاطع فيه حدود القدَر مع مساحة الحرية والاختيار.


