
إلى مريم في سنتها الرابعة من الغياب
ثمة عروض نشاهدها من مقاعد المسرح، وعروض أخرى تعثر من دون استئذان على مكان شديد الخصوصية داخلنا، لم يكن العرض المجري “In Between” بالنسبة لي مجرد تجربة بصرية جميلة، فقد اقترب من منطقة أعرفها أكثر مما أحب، منطقة الموت حين لا يعود فكرة فلسفية مجردة وغامقة، وإنما غياب شقي له أسماء ووجوه وذكريات، وحين يصبح السؤال عما يحدث بعد الرحيل أكثر من فضول ميتافيزيقي، لأنه يمس أشخاصا كانوا هنا، وكان وجودهم جزءا من شكل العالم الذي نعرفه.
العرض من أداء وتصميم بصري وإخراج Zsofia Berczi وينتمي إلى ما يعرف بـ”مسرح الصورة الحية” الذي يقوم على التكوينات الجسدية في الحركة والايماءة مع بقية عناصر السينوغرافيا، وينطلق العرض من تصور رحلة الروح في المسافة بين الموت والولادة، مستلهما كتاب “Journey of Souls” -كما أشارت مرجعيات تقديم العرض في القاهرة-، ومن هنا يصبح عنوان “In Between” مفتاحا أساسيا للدخول إلى التجربة، فنحن أمام منطقة بينية لا تنتمي تماما إلى الحياة التي انتهت ولا إلى الحياة التي لم تبدأ بعد، مكان معلق لا يخضع لقوانين الزمن والمكان التي نعرفها، تتحول فيه الروح إلى وجود بين حالتين، غادرت إحداهما ولم تصل بعد إلى الأخرى.
لكن العرض -في تقديري-لا يتحدث عن الموت وحده بقدر ما يتحدث عن التجرد، فالإنسان وهو يعبر هذه المسافة يفقد تدريجيا الأشياء التي عرف بها نفسه في حياته مثل الجسد/المكان/الزمن/العلاقات، وربما حتى تلك الـ”أنا” التي اعتقد طويلا أنها ثابتة، ولذلك لا تصبح الحكاية هي الأداة الأساسية، بل الصورة، ولا يحتاج العرض إلى أن يخبرنا بأن شخصا مات وأن روحه انتقلت إلى مكان آخر، بقدر ما يحاول أن يجعلنا نختبر بصريا ذلك الشعور الغامض بالعبور.
وعلى الخشبة لا تظهر هذه الكائنات بوصفها شخصيات تملك أسماء أو ملامح أو حكايات، ترتدي الأجساد السواد وتغطى الرؤوس وتتقارب الهيئات حتى تكاد الفردية تمحى، ثم تومض فوق الصدور دوائر صغيرة من الضوء فلا يعود الجسد كله مرئيا، بل تبقى منه نواة مضيئة في العتمة، وكأن العرض ينتزع الإنسان شيئا فشيئا من العلامات التي كان يعرف بها، ليبقي على أثر حياة لا نعرف إن كان يتشبث بالجسد أم يستعد لمغادرته، فالضوء هنا لا يثبت على معنى واحد، يمكن أن يبدو روحا/ذاكرة/بذرة حياة، لكن قوته في أنه لا يفسر نفسه، وإنما يظل احتمالا بصريا مفتوحا.
ويمتد بين الأجساد خط ضوئي طويل، يلتف حولها مرة، ويصنع موجة أو دائرة مرة أخرى، بينما تتكرر الدائرة في أحجام وصور مختلفة، على الصدر/خلف الجسد/في الإسقاطات التي تملأ الفضاء، كأن العرض يبني قاموسه البصري من شكل يعود إلى نفسه ولا يكشف إن كان دورة موت وولادة أو زمنا لا بداية واضحة له ولا نهاية، ثم تهبط الأقمشة البيضاء من أعلى، تحتضن الأجساد وتحملها، ويتعلق جسد وينقلب رأسه إلى أسفل فتختل معه القوانين البسيطة التي تضبط عالمنا، فلا يعود لفوق وتحت المعنى نفسه، وقد يبدو القماش رحم/كفن أو شرنقة! من غير أن يحسم العرض واحدة من هذه الصور.
وفي الضباب الأزرق يصبح الضوء نفسه مرئيا، تذوب حدود الأجساد وتختفي ملامح المكان، فلا يبقى ديكور يمكن التعرف إليه أو زمن نستطيع الإمساك به، بل جسد/ضوء/حركة/فراغ، تتكون منها الصور أمامنا ثم تنحل، وفي لحظة يحتضن أحد الأجساد كرة برتقالية صغيرة بين يديه، الضوء الذي كان يسكن الصدر أو يمتد في الفراغ صار شيئا يمكن حمله وحمايته، كأن الحياة نفسها تقلصت إلى نواة دافئة يحاول الجسد ألا يفقدها، وهكذا لا تقدم السينوغرافيا مكانا جاهزا تجري فيه الأحداث، وإنما تصنع فيزياء العالم الذي تقترحه، عالما لا تنطبق عليه قوانين الجاذبية والهوية والزمن التي نعرفها، وتحاول أن تمنح شكلا لما لا شكل له، وأن تجعل غير المرئي قابلا للإدراك، ولو للحظات.
وهنا تكمن إحدى مناطق قوة “In Between”، فالفكرة التي يقوم عليها تحمل في داخلها خطر واضح، إذ يمكن بسهولة أن تنزلق إلى الروحانيات الجاهزة، أو أن يتحول الحديث عن رحلة الروح وما بعد الموت إلى خطاب فضفاض يشرح أكثر مما يخلق، لكن العرض ينجو إلى حد بعيد من هذا الفخ لأنه لا يطالب المتلقي بأن يؤمن بفرضيته، ولا يقدم تصوره للعالم الآخر باعتباره حقيقة يجب التسليم بها، وإنما يستخدمه بوصفه احتمالا يسمح للمسرح ببناء عالمه الخاص.
يمكنني إذن أن أختلف مع الفرضية التي يستند إليها “Journey of Souls”، وأن أرفض فكرة تناسخ الأرواح أو الحياة بين الحيوات، ومع ذلك أستقبل التجربة جماليا، لأن السؤال هنا لا يعود: هل يحدث هذا فعلا بعد الموت؟ بل: ماذا يستطيع المسرح أن يفعل بهذه الفكرة؟ والفرق بين السؤالين هو المسافة التي تفصل الخطاب الوعظي عن الفن، فالمسرح ليس مطالبا بإثبات العالم الخفي، وإنما يستطيع أن يمنحه جسدا مؤقتا، وأن يتيح لنا أن ننظر إلى ما لا يمكن رؤيته في الواقع.
لهذا لم أستطع أن أضع المسافة النقدية المعتادة كاملة بيني وبين العرض، خصوصا في اللحظات التي يقترح فيها بصريا أن من يقترب من الرحيل قد يلتقي، أو يرى، شخصا سبقه إلى الجهة الأخرى، كانت الصورة بسيطة في ظاهرها، لكنها فتحت مساحة شديدة الخصوصية، لأن الفقد يجعل بعض الصور أكبر من حدودها المسرحية، ويمنح الخيال أحيانا قدرة مؤقتة على ترميم ما لا تستطيع الحقيقة ترميمه. لا أعرف إن كانت الأمور تمضي هكذا في الأعلى، لكن المسرح منحني للحظة إمكانية أن أتخيلها كذلك! وربما كانت هذه اللحظة هي التي أعادت ترتيب علاقتي بالعرض كله، فلم أعد أنظر إلى “In Between” باعتباره محاولة لتصوير ما يحدث للروح بعد الموت فقط، وإنما بوصفه مساحة يسأل فيها الأحياء أيضا عن علاقتهم بمن رحلوا، فالموت ينهي حضورا ماديا، لكنه لا يملك بالضرورة القدرة نفسها على إنهاء العلاقة، وثمة أشخاص يغير الغياب شكل وجودهم في حياتنا من دون أن يلغي هذا الوجود تماما.
نظل نستعيد صوتا/جملة/ضحكة/صورة، نعود إلى موقف قديم كأنه حدث بالأمس، نتحدث أحيانا مع من غابوا في سرنا، أو نجد أنفسنا نخبرهم بما حدث بعد رحيلهم، لا لأننا ننكر الموت، وإنما لأن الذاكرة لا تعمل وفقا للقوانين نفسها التي يعمل بها الجسد، وما ينتهي في العالم الخارجي قد يواصل حياته بطريقة أخرى داخلنا، من هنا اتسع العنوان عندي إلى ما هو أبعد من المنطقة المفترضة بين موت وولادة، فالـ”In Between” قد تكون أيضا وصفا لحالتنا نحن الذين نبقى، نحن أيضا نعيش “بين”، بين ما كان وما أصبح، بين ذاكرة انتهى زمنها لكنها لم تنته داخلنا، وبين مستقبل يستمر رغم غياب أشخاص كنا نظن أنهم سيكونون جزءا منه، بين يقيننا بأن شخصا ما لم يعد هنا، وشعور داخلي يرفض أن يتعامل معه باعتباره غير موجود تماما.
وهذا الاتساع في الدلالة هو ما يجعل العرض، في رأيي، قادرا على تجاوز مرجعيته الروحية المباشرة، فرحلة الروح تصبح استعارة أوسع للوجود الإنساني نفسه، فنحن طوال حياتنا تقريبا نعبر من حالة إلى أخرى، بين ما كنا وما سنصير إليه، بين جسد نحمله ووعي نحاول فهمه، بين أشياء نفقدها وأخرى نكتسبها، ولا تبدو الهوية في النهاية نقطة ثابتة بقدر ما تبدو سلسلة متواصلة من العبور، لهذا تبدو الصورة أكثر ملاءمة من الحكاية في بناء العرض، فالحكاية تحتاج عادة إلى بداية ونهاية وعلاقات سببية واضحة، بينما المنطقة التي يقترحها “In Between” تقاوم هذه الحدود، وتسمح للصور بأن تتشكل ثم تتلاشى كما لو أنها ذكريات تمر أمام العين قبل أن تعود إلى مكان لا نستطيع الوصول إليه، حتى إن الأصوات الملتبسة بين الأرواح، والصورة المغبشة، يمكن أن تتجسدا لدى كل متلق في هيئة من فقدهم.
وهنا تحديدا تظهر قيمة الاختيار الجمالي، فالعرض لا يسأل كيف يمكن تمثيل الموت واقعيا، لأن الموت في ذاته لا يقدم مادة بصرية يمكن محاكاتها، وإنما يسأل كيف يمكن تمثيل الإحساس بالعبور – والعبور كلمة سحرية مهدئة-، وهذا التحول من محاكاة الحدث إلى خلق الإحساس به هو الذي يمنح التجربة خصوصيتها، ويجعل المتلقي شريكا في ملء الفراغات بما يحمله هو من أسئلة وذكريات وفقد.
ربما لهذا أيضا لا يتساوى استقبال العرض بين متفرج وآخر، فالصورة التي تمر أمام شخص باعتبارها تكوينا جماليا قد تفتح عند شخص آخر باباً كاملاً من الذاكرة، والمسرح هنا لا يعرف بالضرورة ما الذي سيفعله بكل واحد منا، لكنه يوفر المساحة التي يمكن أن يحدث فيها ذلك، وهذه واحدة من أكثر علاقات المسرح بالجمهور تعقيداً وجمالاً، أن يقدم الصورة نفسها لمئات الأشخاص، بينما يرى كل واحد منهم شيئا مختلفا خلفها.
بالنسبة لي لم يخفف “In Between” مرارة الفقد بمعنى أنه قدم إجابة، فطعم الغياب لا يتغير بهذه السهولة، ولا تستطيع صورة مسرحية، مهما بلغت قوتها، أن تعيد ما أخذته الحياة، لكنه منح الخيال احتمالاً أقل قسوة، ماذا لو لم يكن الرحيل اختفاءً كاملاً؟ ماذا لو كانت هناك مساحة لا نعرفها ولا نستطيع إثباتها؟ لكن يمكننا للحظة أن نتخيل فيها من نحب؟ ليس مطلوباً من المسرح أن يجيب، بل ربما يفقد الكثير من جماله لو فعل، فالإجابة ستغلق المساحة التي يفتحها السؤال، بينما يترك “In Between” الباب مواربا، لا يؤكد ولا ينفي، وإنما يقترح، وفي هذا الاقتراح تحديدا تكمن طمأنينته، لأن الإنسان أمام الفقد لا يحتاج دائما إلى حقيقة جديدة، وقد تكفيه أحيانا إمكانية يستطيع أن يسند إليها خياله لبعض الوقت.
وهكذا خرجت من العرض من دون أن أعرف أكثر مما كنت أعرفه قبل دخولي عن المكان الذي يذهب إليه من نحبهم، لكنني خرجت بشيء من الطمأنينة، لم يملأ العرض حفرة الغياب، ولم يكن مطلوباً منه أن يفعل، ولم يُغيّر طعم الفقد الذي بقي كما هو، لكنه سمح لشيء من الضوء أن يصل إلى منطقة ظلّت معتمة طويلاً، وربما تكون هذه إحدى أجمل وظائف المسرح، ألا يعيد الغائبين، ولا يجيب عن أسئلتنا المستحيلة، وإنما يمنح غير المرئي صورة ويمنح الغياب مكانا، ويمنحنا لبعض الوقت احتمالا نستطيع أن نعيش به.


