
“عصر الغليان العالمي” – هو الوصف الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، قبل نحو ثلاثة أعوام، على ما يعيشه العالم اليوم، على خلفية موجة الحر «المرعبة» – والوصف لغوتيريس نفسه – التي تجتاح مناطق مختلفة من العالم، لم يكن يُعرف عنها في السابق أنها من المناطق الحارة، حتى إن درجة الحرارة في بعضها تجاوزت الخمسين درجة مئوية، في مشهد لم يعد استثنائياً كما كان يُعتقد، بل بات يتكرر بوتيرة متسارعة تنذر بأن العالم يقف أمام مرحلة جديدة من تاريخه البيئي.
لقد كان العالم يتحدث، طوال العقود الماضية، عن عصر الاحتباس الحراري، باعتباره التحدي الأكبر الذي يواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين. غير أن من يقف على رأس المنظمة الدولية الأهم يقول اليوم إن ذلك العصر قد انتهى، لننتقل إلى مرحلة أشد خطورة، هي نفسها «عصر الغليان العالمي». وليس في الأمر مجرد تبديل للمصطلحات أو مبالغة لغوية، وإنما توصيف لحقيقة أخذت تتجسد على الأرض بصورة أكثر وضوحاً وقسوة. فشهر يوليو/تموز 2023، الذي كان العالم يودعه آنذاك، حطم الأرقام القياسية في درجات الحرارة، وفي اتساع رقعة الحرائق والجفاف، وفي حجم الكوارث المناخية المصاحبة، ليؤكد أن ما نعيشه ليس حدثاً عابراً، وإنما بداية لمسار طويل إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية توقف هذا الانحدار.
حين قال غوتيريس إن ما نشهده اليوم ليس سوى «مجرد البداية»، لم يكن يطلق تحذيراً سياسياً بقدر ما كان ينقل خلاصات ما توصل إليه العلماء خلال سنوات طويلة من الرصد والبحث. ومن المنطقي أن نستنتج أنّ القادم سيكون أكثر خطورة، ما لم يفق العالم، ولا سيما القوى الكبرى المتحكمة في الاقتصاد العالمي وصناعة القرار، إلى حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها. فالتغير المناخي لم يعد قضية بيئية تخص العلماء وحدهم، بل تحول إلى قضية أمن إنساني واقتصادي وغذائي وصحي، تمس حاضر البشر ومستقبل الأجيال القادمة.
ما يحذر منه غوتيريس كان متوقعاً منذ سنوات طويلة، وإن بدا تسارع الأحداث أكبر من قدرة كثيرين على التصديق. وقد أوضح الرجل أنّ التأثيرات الشديدة للتغير المناخي تتوافق مع ما ظل العلماء يحذرون منه، غير أن «المفاجأة الوحيدة هي سرعة التغيير». فالعالم لم يعد يواجه مجرد ارتفاع تدريجي في درجات الحرارة، وإنما يشهد تحولات متسارعة في الأنظمة المناخية، حتى بات «الهواء غير قابل للتنفس، والحرارة لا تطاق»، على حد تعبيره، فيما يستمر الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري، وتستمر معه الأرباح الهائلة التي تجنيها صناعاته، في مفارقة أخلاقية لافتة، إذ تتراكم الثروات في جانب، بينما تتراكم المخاطر في الجانب الآخر.
ومن هنا جاءت دعوته إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة العواقب «المأسوية»، قائلاً: «لا مزيد من التردد، لا مزيد من الأعذار، لا مزيد من انتظار أن يتحرك الآخرون أولاً». وهي دعوة لا تخاطب الحكومات وحدها، بل تخاطب الشركات الكبرى، والمؤسسات المالية، والمجتمعات، والأفراد أيضاً. فالتعامل مع أزمة المناخ لم يعد يحتمل منطق تأجيل القرارات أو ترحيل المسؤوليات، لأن الطبيعة لا تمنح أحداً مهلاً إضافية.
وجديرة بالتأمل عبارته عن «الدمار الذي بدأته الإنسانية». فهي عبارة تختزل، في كلمات قليلة، قروناً من العلاقة غير المتوازنة بين الإنسان والطبيعة، منذ أن اعتقد الإنسان الحديث أن التقدم يقاس فقط بما يستطيع استخراجه من الأرض، لا بما يستطيع الحفاظ عليه فيها. لقد قامت نماذج التنمية الصناعية السائدة على استنزاف الموارد الطبيعية بلا حدود، وعلى التعامل مع البيئة بوصفها مخزناً مفتوحاً للثروات ومكباً مفتوحاً للنفايات، دون اكتراث بحدود قدرة الكوكب على الاحتمال.
ولم يعد هذا التحليل مجرد موقف أخلاقي أو فلسفي، بل تؤيده الدراسات العلمية أيضاً. فقد أشار العلماء إلى أن النشاط البشري لعب دوراً حاسماً في موجات الحر الشديد التي اجتاحت أمريكا الشمالية وأوروبا والصين، فيما خلصت دراسة أعدها فريق «إسناد الطقس في العالم» إلى أنه لولا تأثير النشاط البشري لكانت تلك الظواهر المناخية المتطرفة نادرة للغاية، بل إن الارتفاعات القياسية في درجات الحرارة التي شهدتها أوروبا وأمريكا الشمالية تكاد تكون مستحيلة من دون تأثيرات التغير المناخي. فالعالم لم يتوقف عن حرق الوقود الأحفوري، ولم تتراجع الانبعاثات بالقدر المطلوب، ولذلك أصبحت موجات الحر والفيضانات والجفاف والحرائق أكثر شدة وتكراراً.
وإذا كانت الكوارث المناخية تبدو في ظاهرها أحداثاً طبيعية، فإن آثارها تكشف وجهاً آخر للأزمة. فهي تضرب الأمن الغذائي حين تتراجع المحاصيل الزراعية، وتهدد الموارد المائية مع استمرار موجات الجفاف، وتدفع ملايين البشر إلى الهجرة القسرية بسبب فقدان مقومات العيش، كما تزيد من احتمالات النزاعات على الماء والأرض والغذاء. ومن هنا لم يعد الحديث عن المناخ منفصلاً عن الحديث عن الاقتصاد أو السياسة أو العدالة الاجتماعية، لأن الضحايا الأوائل هم غالباً الشعوب الأقل إسهاماً في تلويث البيئة، بينما تتحمل الدول الصناعية القسط الأكبر من المسؤولية التاريخية عن الانبعاثات.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات التي تنتهي ببيانات إنشائية، بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، وإلى انتقال حقيقي نحو الطاقة النظيفة، وإعادة النظر في أنماط الإنتاج والاستهلاك، وتشجيع الابتكار البيئي، وحماية الغابات والمحيطات، بوصفها رئات الكوكب الطبيعية. كما يحتاج إلى ترسيخ ثقافة جديدة ترى في حماية البيئة مسؤولية جماعية، لا ترفاً فكرياً ولا شعاراً موسمياً.
صحيح أن المؤشرات مقلقة، لكن الأمل لم يتبدد بعد. فما زالت أمام البشرية فرصة لتغيير المسار، وإن كانت تضيق عاماً بعد آخر. غير أن اغتنام هذه الفرصة يقتضي أولاً الاعتراف بأن الأزمة ليست أزمة الطبيعة، بل أزمة الإنسان نفسه، وأزمة النموذج الحضاري الذي تعامل مع الأرض باعتبارها ملكية مطلقة، لا أمانة مشتركة.
لم يفت الأوان لتدارك الكارثة القادمة، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا غادر “هوامير” المال حالة التوحش التي طبعت علاقتهم بالطبيعة، إلى علاقة أكثر تواضعاً واتزاناً، تقوم على الشراكة مع الكوكب لا الهيمنة عليه، وعلى احترام قوانينه لا تحديها. فمصير الإنسان، في نهاية المطاف، ليس منفصلاً عن مصير الأرض التي يعيش عليها، وكل تأخير في تصحيح هذه العلاقة لن يجعل كلفة الإنقاذ أكبر فحسب، بل قد يجعل بعض الخسائر غير قابلة للتعويض.


